عاد الجدل حول مستقبل الذكاء الاصطناعي إلى الواجهة بقوة، بعدما تحولت التحذيرات من المخاطر المحتملة للنماذج المتقدمة من نقاش تقني إلى قضية ذات تداعيات مالية وسياسية وأمنية، في ظل استثمارات ضخمة تراهن عليها شركات التكنولوجيا والأسواق العالمية.
وبحسب ما أوردته وكالة فرانس برس( أ.ف.ب)، جاءت شرارة القلق بعد تحذير الرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك»، داريو أمودي، من المخاطر التي قد تنجم عن تطوير نماذج ذكاء اصطناعي متقدمة قادرة على العمل باستقلالية متزايدة. وحذر أمودي من إمكانية أن تتمكن مجموعة من وكلاء الذكاء الاصطناعي، خلال فترة تتراوح بين ستة و12 شهراً، من السيطرة على أجزاء واسعة من الإنترنت والتسبب في خسائر اقتصادية ضخمة، وهي المخاوف التي لقيت صدى لدى عدد من أبرز الأسماء في قطاع التكنولوجيا.
ولم تبق هذه التحذيرات داخل أروقة شركات التكنولوجيا، إذ سرعان ما انعكست على حركة الأسواق الآسيوية والأوروبية، مع تسجيل تراجعات في أسهم شركات مرتبطة مباشرة بقطاع الذكاء الاصطناعي والرقائق ومراكز البيانات.
وتصدر «سوفت بنك» قائمة الأسهم المتضررة في آسيا، بينما سجلت شركات الرقائق الكورية، وعلى رأسها «إس كي هاينكس» و«سامسونغ إلكترونيكس»، خسائر ملحوظة. كما تعرض سهم «ASML» لضغوط في أوروبا، وسط مخاوف من أن يؤدي أي تباطؤ في الإنفاق على الذكاء الاصطناعي إلى موجة أوسع من إعادة تقييم أسهم التكنولوجيا.
استثمارات هائلة تواجه اختباراً صعباً
وتنبع حساسية الأسواق من حجم الأموال التي جرى ضخها في هذا القطاع خلال فترة قصيرة. فقد أنفقت شركات التكنولوجيا الأميركية الكبرى مبالغ ضخمة لتوسيع قدراتها في مجال الذكاء الاصطناعي، بما يشمل شراء الرقائق وبناء مراكز البيانات وتطوير البنية التحتية اللازمة لتشغيل النماذج المتقدمة.
وتشير تقديرات نقلتها كاثلين بروكس، من منصة «XTB»، إلى أن «أمازون» و«مايكروسوفت» و«ميتا» و«ألفابت» أنفقت مجتمعة قرابة 900 مليار دولار خلال عامين على استثمارات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
ويطرح هذا الحجم من الإنفاق سؤالاً أساسياً أمام المستثمرين: ماذا سيحدث إذا تباطأ السباق؟
فالقطاع أصبح عبارة عن شبكة مترابطة تضم مطوري النماذج ومصنعي الرقائق وشركات الحوسبة السحابية ومشغلي مراكز البيانات، إلى جانب المؤسسات المالية التي توفر التمويل. وبالتالي، فإن تقليص الإنفاق من طرف عدد محدود من الشركات الكبرى قد تكون له انعكاسات تتجاوز شركات التكنولوجيا نفسها.
وتبرز «إنفيديا» بشكل خاص في هذه المعادلة، باعتبارها من أهم المستفيدين من الطلب المتزايد على الرقائق المستخدمة في تدريب وتشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي.
ويرى محللون أن أي خفض كبير في الإنفاق على البحث والتطوير أو البنية التحتية قد يفرض ضغوطاً على تقييمات شركات التكنولوجيا، خصوصاً أن طفرة الذكاء الاصطناعي أصبحت خلال السنوات الأخيرة أحد المحركات الأساسية لصعود أسواق الأسهم.
تحذيرات أمنية مقابل مخاوف من خسارة السباق
ولا يتعلق الخلاف فقط بحجم الاستثمارات، بل يمتد إلى مستقبل تنظيم التكنولوجيا نفسها.
ففي الولايات المتحدة، تصاعد النقاش داخل الكونغرس حول المخاطر التي يمكن أن تنتج عن تطوير نماذج أكثر استقلالية وقدرة، فيما دعا زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ، تشاك شومر، إلى إحاطة سرية للمشرعين حول هذه المخاطر.
لكن إدارة الرئيس دونالد ترامب تتبنى مقاربة مختلفة، إذ ترفض فرض قيود واسعة على شركات الذكاء الاصطناعي، انطلاقاً من اعتبار أن التشدد التنظيمي قد يضر بالتفوق الأميركي في مواجهة الصين.
ويرى ترامب أن السباق على الذكاء الاصطناعي أصبح جزءاً من المنافسة الاستراتيجية بين واشنطن وبكين، ولذلك يحذر من إجراءات يمكن أن تحد من قدرة الشركات الأميركية على تطوير تقنياتها.
وفي الاتجاه نفسه، حذر رئيس مجلس النواب مايك جونسون من أن الإسراع في سن تشريعات صارمة قد تكون له نتائج عكسية، داعياً إلى الحوار مع شركات القطاع قبل اتخاذ خطوات تنظيمية واسعة.
وفي المقابل، ترتفع أصوات داخل الكونغرس تطالب بوضع قواعد أكثر تشدداً، تشمل إخضاع النماذج المتقدمة للاختبارات والإفصاح عن المخاطر التي قد تظهر أثناء تطويرها.
الأمم المتحدة تدخل على خط المواجهة
ولم يعد النقاش مقتصراً على الولايات المتحدة، إذ حذرت الأمم المتحدة من التداعيات المحتملة للتوسع السريع في استخدام الذكاء الاصطناعي.
ودعا مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، الدول والشركات إلى التحرك بشكل عاجل لوضع قواعد واضحة تحكم تطوير النماذج الأكثر تقدماً.
وحذر تورك من أن ترك القرارات المتعلقة بمستقبل هذه التكنولوجيا في يد عدد محدود من الشركات قد يخلق مخاطر تمس حقوقاً أساسية، من بينها الخصوصية والأمن والصحة والحق في الحياة.
كما سلط الضوء على أنظمة «الذكاء الاصطناعي الوكيلي»، التي تستطيع تنفيذ سلسلة من المهام بصورة مستقلة، محذراً من أن الأعطال أو التصرفات غير المتوقعة لهذه الأنظمة قد تطال خدمات حيوية وبنيات تحتية أساسية.
ويأتي ذلك بالتزامن مع تحذيرات أمنية صينية من إمكانية استغلال الذكاء الاصطناعي في التأثير على الرأي العام وجمع المعلومات واستهداف البنيات التحتية.
وهكذا، يبدو أن سباق الذكاء الاصطناعي دخل مرحلة جديدة، لم يعد فيها السؤال مقتصراً على من سيطور النموذج الأقوى، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بمن سيتحمل تكلفة هذا السباق، وكيف يمكن احتواء مخاطره، وما إذا كان إبطاؤه سيحمي العالم من تداعيات محتملة أم سيمنح منافسين مثل الصين فرصة لتغيير موازين القوة التكنولوجية.







