مقال تحليلي ثالث: أمة ( اقــــــــــــــرأ ) لا تقـــــــــــــــــــرأ
أ – ما هو الباب الذي تفتحه القراءة لأمة ( اقرأ ) باب الأمل أم باب الوجع ؟ ،
ب – للقراءة مآزقها و كمائنها فهل تستطيع أمة( اقرأ )النجاة من هذه المآزق إن هي عادت للقراءة ؟ ،
يقود هذا المقال إلى سفر شيق يهب خصوصيته للمتلقي بوصفه شهادة حسن النية في مصاحبة القراءة و لأسرارها الخبيئة في طرح قضايا جمالية و تخيلية لتأسس شروط و جودها في الكون بصفة عامة و في أمة ( اقرأ ) بصفة خاصة التي لم تعد تقرأ للأسف ، مقال يتجسس بعمق على المناطق الخفية للقراءة فهو لا يقدم أسئلة بقدر ما يثير أسئلة في وجود أمة ( اقرأ ) لا تقرأ ، هي مقدمة لا تريد توجيها مسبقا أو انتقادا لأمة ( اقرأ ) بقدر ما هي تحريض العين على القراءة بضوء العقل فهذا الأخير دليل الإنسان بقوة بصره و بصيرته في ارتياد المجهول و اكتشاف الألغاز و الأسرار لعالم آهل بالعجائب و الغرائب .
أستغرب جدا من أمة ( اقرأ ) لا تقرأ حتى من بقي منهم يقرأ يقرؤون متى شاؤوا كأنهم يأكلون أو يشربون و النتيجة معروفة لدى هؤلاء فهم يتماشون مع الذوق التقليدي للمتلقين و لا يطورون في القراءة شيء رغم أنها من وظيفة القارئ ، فالقراءة لا تبحث عن الإستفادة من الأشياء كي تكون قراءة إنما هي تحكي الشيء بلغتها كما تراه هي في زمنها ،أليس الكون بدون قراءة / قراء خراب و دمار ؟ .
إنه سؤال في غاية الصواب و الأهمية خاصة بالنسبة لأمة ( اقرأ ) فالقراءة ضرورية انسانية تضفي على الحياة بكل مكوناتها و مكنوناتها عبقا من لذيذ الضوء على عتمتها المؤلمة كما أن القراءة تصبغ العالم بألوان الحب و بكل مفردات معجم الجمال ، فكل وقت / أوقات القراءة هي لحظات شرسة تنهش في القارئ كل شيء إنها تحمله إلى أراضي جديدة و مناخ مغاير لكل لحظة و هي لا تشبع كذلك من انهاك قارئها كلما مارسها و هي أيضا وقت/أوقات حب بينها و بين قارئها حين يوافقهما اللقاء و يختلفان فيه على بعضهما حتى الامتزاج الذي لا يمكنه أن ينجح في عبور القراءة لأن صهوتها تعلو و تهبط ، تتسع و تضيق بين لحظة و أخرى ، تكتم الأنفاس و تزيد من ايقاع ضربات القلب كأنها الدخول في رحم الموت لاستخراج شهادة ولادة خاصة في ظل التطور الحاصل في المجتمعات .
لقد أصبحت القراءة بالنسبة لأمة ( اقرأ ) هي الفرصة الوحيدة لتنصت إلى عزلتها و أحلامها و آلامها نعم هي فرصة لكي تنصت إلى باطنها المدغول بخصوصيته و خصائصه و صراخه المشحون بزخم الرغبة إلى اثبات أسئلة الحلم / الوجود ، أمة ( اقرأ ) تخاف الحقيقة العارية غير المغطاة بألف قشرة و قشرة و أنه من قراءتها ستكشف عن حال لها لا يقبله المجتمع المريض بالانفصام و بالتالي هو ما يصيب مكانتها الاجتماعية و الاعتبارية و هي في جميع مراحلها تخاف من كشف حقيقتها قولا و كتابة و تشعر أن انكشاف هذه الحقيقة هتك لسترها .
و مما لا شك فيه أن غياب القراءة وسط أمة ( اقرأ ) قاس جدا و يبقى الأثر الذي لا يمحى و في هذا عزاء لهذه الأمة فلم يرى أي اهتمام حتى لدى المثقفين المهتمين ربما بسبب ضيق قنوات الإتصال أو لغياب الساحات الثقافية حد الفجيعة و هذا جزء كبير من الإحباط الشخصي ، لكل قارئ مرجعياته التخيلية و الجمالية لبناء عالمه و التي لا يمكن حصرها لأنها قراءة للحياة بكل مكوناتها التي تتراكم لحظة إثر لحظة لتشكل المصادر و المراجع الفكرية و الجمالية ، فالقراءة تجديد دائم و هي حلقات متشابكة يضيف كل قارئ حلقته إليها صحيح أن قطع الحبل السري ضرورة حياتية لكن هذا لا يعني القطع مع الموروثات الجينية للقراءة الأمر الذي سقطت فيه أمة ( اقرأ ) .
عموما ، شخصيا كم أتمني أن تغدو القراءة وجبة حب يومية للإنسان فهي فعل تجدد به العلاقة بين الكلمات و الواقع و في نفس الوقت تمنيت و أنا أقرأ و أكتب ما أقرأه أن تكون للقراءة بالذات لغة واحدة حتى تجعلها كونية فالكائنات البشرية خلقت لكي تفكر و القراءة شرط لإستمرار الحياة ،و أظن أن مستقبلنا يعتمد على مدى معرفتنا و قرائتنا للكون بما هو موجود و ما وجد و ما سيوجد من هذه المعادلة أليس من واجب أمة ( اقرأ ) التي لم تعد تقرأ أن تنظر في مرآتها الخاصة ثم في مرايا الآخرين لعلها تنبعث من رمادها ؟ هل تمثل القراءة ضمير أمة ( اقرأ ) ؟ إذا كان الأمر كذلك من حقنا أن نسأل و بإلحاح : هل تستطيع أمة تحيى هذه المفارقة القاسية أن تحرز نصرا أو أن تصون قضية ! ؟ .
عبد الإله شفيشو
السجن المحلي شفشاون 18/05/2020




