الأستاذ: علي اعمو.
كاتب من المغرب.
لم تعد قضية معاشات المتقاعدين في المغرب تحتمل مزيداً من التأجيل أو الاكتفاء بإجراءات جزئية لا ترقى إلى مستوى الانتظارات. فالمتقاعدون الذين أفنوا سنوات طويلة من أعمارهم في خدمة الوطن، يجدون أنفسهم اليوم أمام واقع معيشي صعب، بعدما فقدت معاشاتهم جزءاً كبيراً من قيمتها الشرائية، بفعل الارتفاع المتواصل في أسعار المواد الغذائية والأدوية والسكن ومختلف الحاجيات الأساسية.
لقد انتظر هؤلاء سنوات طويلة دون أن تلتفت الحكومة إلى أوضاعهم، وأن تتخذ قرارات منصفة تعيد إلى معاشاتهم قدرتها على تأمين الحد الأدنى من العيش الكريم. لكن الإعلان عن رفع الحد الأدنى للمعاش إلى 1700 درهم شهرياً ابتداء من يناير 2027 يطرح سؤالاً جوهرياً: هل يكفي هذا المبلغ فعلاً لمواجهة تكاليف المعيشة؟.
إن مبلغ 1700 درهم لا يمكن اعتباره استجابة كافية لحاجيات المتقاعد، فكيف يمكن لإنسان أن يدبر بهذا المبلغ مصاريف الغذاء والدواء والسكن والكهرباء والماء والنقل طوال شهر كامل؟ بل إن هذا المبلغ قد لا يكفي لتغطية الحاجيات الضرورية لأيام معدودة. لذلك، فإن تقديمه باعتباره خطوة نحو تحسين أوضاع المتقاعدين لا ينبغي أن يحجب حقيقة الفجوة الكبيرة بين قيمة المعاش وتكاليف الحياة اليومية.
ولا يتعلق الأمر بالاعتراض على تحسين أوضاع أصحاب المعاشات الضعيفة، فذلك واجب اجتماعي لا خلاف حوله، وإنما بالتساؤل عن مصير بقية
المتقاعدين الذين لم تشملهم هذه الإجراءات، وظلت معاشاتهم مجمدة لسنوات، رغم أن قدرتهم الشرائية تراجعت بدورها تحت ضغط الغلاء.
فلماذا لا تشمل مراجعة المعاشات جميع المتقاعدين، بمختلف قطاعاتهم وأنظمة تقاعدهم، دون تمييز أو استثناء؟ وهل من الإنصاف أن تستفيد فئة من تحسين معاشاتها، بينما تظل فئات أخرى تنتظر التفاتة حكومية قد تطول سنوات إضافية؟.
إن العدالة الاجتماعية لا تتحقق بإجراءات انتقائية، وإنما بسياسة شاملة تضمن الإنصاف لجميع المتقاعدين، مع إعطاء الأولوية لأصحاب المعاشات الأكثر هشاشة.
المعاش حق وليس منّة حكومية.
ينبغي ألا ننسى أن المعاش ليس هبة تقدمها الحكومة للمتقاعد، ولا منحة يتفضل بها وزير من ماله الخاص. إنه ثمرة سنوات طويلة من العمل والعطاء والاقتطاعات والمساهمات التي أداها الموظف أو الأجير طوال مساره المهني.
ومن حق هؤلاء أن يستفيدوا من معاشات تحفظ كرامتهم بعد انتهاء حياتهم المهنية، لا أن يجدوا أنفسهم مضطرين إلى مواجهة أعباء الحياة بإمكانات محدودة لا تساير حتى متطلبات العيش الأساسية.
وإذا كان المغرب يزخر بثروات طبيعية مهمة، من الفوسفاط والمعادن والثروات السمكية، فمن حق المواطنين أن يتساءلوا عن مدى انعكاس عائدات هذه الثروات على أوضاعهم الاجتماعية والمعيشية.
إن خيرات البلاد ينبغي أن تنعكس على حياة المواطنين، وأن يكون توزيع ثمار التنمية قائماً على العدالة والإنصاف. ولا يجوز أن تتحول التوازنات المالية والإكراهات الاقتصادية إلى مبرر دائم لتأجيل المطالب الاجتماعية المشروعة.
السلم المتحرك للمعاشات.. الحل الذي ينبغي اعتماده.
إذا كانت هناك إرادة حقيقية لتحسين أوضاع المتقاعدين، فلماذا لا تبادر الحكومة إلى إقرار سلم متحرك للمعاشات، بموجب قانون يضمن مراجعتها بصورة تلقائية ودورية، كلما ارتفع مؤشر الأسعار وتراجعت القدرة الشرائية؟.
إن المطلوب هو الانتقال من سياسة الزيادات الظرفية التي تظل رهينة القرارات الحكومية والحوارات الاجتماعية، إلى نظام قانوني واضح يجعل مراجعة المعاشات حقاً مضموناً، وليس مطلباً يتجدد مع كل موجة غلاء.
ويقوم هذا المقترح على ربط المعاشات بمؤشر رسمي لتطور تكاليف المعيشة، مع إجراء مراجعة سنوية تلقائية، تراعي نسبة التضخم وتحمي المعاشات من التدهور.
وبذلك، لن يضطر المتقاعد إلى انتظار جولات الحوار الاجتماعي، أو الدخول في مفاوضات جديدة كلما ارتفعت الأسعار. فالحوار الاجتماعي يمكن أن يظل مفتوحاً أمام الإصلاحات الكبرى لمنظومة التقاعد، لكن تعويض تآكل القدرة الشرائية ينبغي أن يصبح التزاماً قانونياً تلقائياً لا يخضع للمساومة أو التأجيل.
نريد معاشات تتحرك مع حركة الأسعار، لا معاشات جامدة تتآكل قيمتها سنة بعد أخرى، ونريد حقاً مضموناً بقوة القانون، لا زيادة تظل رهينة الوعود والانتظارات.
إن اعتماد هذا النظام من شأنه أن يضع حداً لمعاناة المتقاعدين وأن يمنحهم قدراً من الاستقرار والاطمئنان، بدل أن يظلوا في كل مرحلة أمام ضرورة المطالبة بزيادات جديدة لتعويض ما فقدوه من قدرتهم الشرائية.
إنصاف المتقاعدين مسؤولية الجميع.
ولا يمكن إغفال مسؤولية النقابات في الدفاع عن حقوق المتقاعدين، وعدم حصر اهتمامها في الأجراء والموظفين الممارسين. فالمتقاعدون جزء من الطبقة العاملة، وحقوقهم لا تنتهي بمجرد مغادرتهم مقرات العمل.
كما أن الحكومة مطالبة بوضع رؤية شاملة لإصلاح منظومة التقاعد، تضمن حقوق المتقاعدين الحاليين وتحافظ على حقوق الأجيال المقبلة، بعيداً عن الحلول المؤقتة والمعالجات المجزأة.
إننا لا نطالب بامتيازات استثنائية، ولا ننتظر صدقة من أحد، وإنما نطالب بالإنصاف، وبحقنا في الاستفادة من ثمار التنمية الوطنية، وبمعاشات تحفظ كرامتنا وتضمن لنا حياة لائقة بعد سنوات من العمل والتضحيات.
فإلى متى سيظل المتقاعد المغربي ينتظر الإنصاف؟ ولماذا لا تتحول مراجعة المعاشات إلى حق قانوني دائم، بدل أن تظل موضوعاً لوعود متجددة وإجراءات محدودة؟.
إن كرامة المتقاعد ليست منّة حكومية، والعدالة الاجتماعية لا تتجزأ، والمعاش الذي لا يساير تكاليف المعيشة يفقد تدريجياً الغاية التي أُقر من أجلها.
الأستاذ: علي اعمو.
كاتب من المغرب.




