فتح الله رمضاني
إن أكبر خطأ يمكن ارتكابه في نقاش المواضيع المرتبطة بالتنمية الترابية، كعدالة الاستثمار، والانصاف المجالي، وغيرها من مقومات هذه التنمية، هو التعامل مع الفوارق بين الجهات على أساس أنها أمر طبيعي فرضته الجغرافيا، أو نتيجة حتمية لاختلاف المؤهلات الاقتصادية، في حين أن جزء مهما من هذه الفوارق هو نتاج لسياسات عمومية، ولاختيارات اقتصادية، ونتيجة طبيعية لطريقة توزيع الاستثمارات بين الجهات، ولمنطق حكم كيفية تعبئة الموارد وتهيئة شروط إنتاج الثروة بالبلد.
يتعلق الأمر بفكرة واضحة وبسيطة، ولكنها في العمق، فكرة تثير مجموعة من الأسئلة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فهل بالفعل توجد بالمغرب جهات غنية وأخرى فقيرة؟ أم أن الأمر يتعلق بجهات أتيحت لها فرص الاستثمار وإنتاج الثروة، وجهات أخرى لم تمنح لها نفس الفرص؟ هكذا فإن مشكلة تفاوت مستويات التنمية بالمغرب لا يمكن إرجاعها إلى التفاوت الحاصل في الموارد، بل إلى التفاوت الصارخ في فرص تحويل هذه الموارد ومهما كان حجمها وطبيعتها إلى ثروة.
الأكيد أنه من الطبيعي جدا، أن تتمركز الاستثمارات في الأقطاب الاقتصادية الكبيرة، بمعنى في الجهات التي تتوفر على الموانئ والمطارات والتي تتوفر على بنيات تحتية جيدة وعلى التجهيزات والخدمات الضرورية، لكن استمرار هذا التمركز سيعيد إنتاج نفس الفوارق المجالية، وبالتالي سيعيد إنتاج نفس التمايز بين الجهات، هكذا جهات تتراكم فيها الاستثمارات، وأخرى تتراكم فيها الانتظارات، بكل ما يعنيه هذا التمايز من كلفة في تدبير الاختلالات الاجتماعية الناتجة عنه.
فإذا كان المستثمر من حقه أن يختار أين يستثمر أمواله، فالدولة مسؤولة عن ضمان عدم تحول هذه الاختيارات الاستثمارية إلى أحكام بالإقصاء التنموي على مجالات ترابية جريمتها الوحيدة أن جاذبيتها لم تتطور، لكن وجبت الإشارة، إلى أن القول بمسؤولية الدولة هذه، لا يعني أنها ملزمة على دفع المستثمرين على الاستثمار في مناطق لا تتوفر فيها شروط النجاح، بل إنه لا يعني غير أنها مسؤولة عن توفير تلك الشروط في جميع الجهات، من خلال توجيه التحفيزات العمومية نحو المجالات الترابية المحتاجة، حتى لا يبقى النجاح الاقتصادي حكرا على المجالات التي استفادت تاريخيا من أسبقية وأفضلية التهيئة والتجهيز.
فالمستثمرون لا يبحثون إلا عن الربح، وهذا حقهم الطبيعي والمشروع، وهو الحق الذي يجعلهم يختارون الاستثمار في المناطق التي تكون فيها كلفة الإنتاج ضئيلة، وبالتالي تكون فيها فرص الربح كبيرة، ولكن مهما كانت هذه الاختيارات والتوجهات مشروعة وعقلانية بالنسبة إليهم، فإنها لا يجب أن تكون المحدد الوحيد للخريطة الاقتصادية بالبلد، حيث سيكون هذا توجها لا عقلانيا بالنسبة للدولة، خصوصا إذا كانت هذه الدولة دولة اجتماعية.
ذلك أن الدولة الاجتماعية، لا يجب أن تختزل في آليات إعادة توزيع الدخل، وفي أوراش الدعم والتضامن وتحسين الخدمات العمومية، نعم هذه آليات وأوراش أساسية لا يمكن تصور قيام أي نموذج للتنمية الاجتماعية من دونها، ولكن الدولة الاجتماعية كذلك هي الدولة التي تتدخل في شروط إنتاج الثروة، من خلال تحديد كيفية توزيع الفرص الاقتصادية بين جميع المواطنين، فليس سليما أبدا أن يختزل مضمون هذه الدولة في التدخل لتصويب النتائج عوض العمل على توجيه العوامل المسببة لها، بمعنى الاكتفاء بالتدخل في معالجة الفوارق الاجتماعية والمجالية بغاية تخفيف آثارها، عوض العمل على الحد من إنتاج هذه الفوارق في الأصل.
فالمواطن المنتمي لجهة أو لإقليم أو لجماعة ترابية لا مشاريع منتجة فيها، لا يحتاج فقط إلى دعم عمومي، أو إلى خدمات اجتماعية، بل هو يحتاج قبل كل شيء إلى عمل، وإلى مشاريع واستثمارات محلية توفر له فرص تحسين دخله وبناء مستقبله داخل المجال الترابي الذي ينتمي إليه.
إن إثارة مسؤولية الدولة هذه، لا تعني فقط الدعوة إلى إعادة ترتيب أولوياتها، ولا إلى تعميق النفس الاجتماعي في اختياراتها، بل هي دعوة إلى ضرورة إعادة تأطير مفهوم العدالة الاجتماعية عندها، ذلك أن العدالة الاجتماعية لا تتحقق فقط من خلال إعادة توزيع جزء من الثروة، بل إنها لا تتحقق إلا من خلال توسيع قاعدة إنتاج هذه الثروة، وهو ما لا يمكن إدراكه إلا بالحرص على تمكين المناطق الأقل استفادة من المشاركة في خلقها، وهو ما يعني ضرورة مراجعة طريقة التعاطي مع التنمية، فليس سليما الاستمرار في التعامل معها وكأنها رهان أو سباق بين الجهات، تنتصر فيه تلك التي تتوفر على أفضل الشروط، وتنهزم فيه من تحتاج إلى تدخلات عمومية أكبر، بل وجب التعاطي معها باعتبارها مشروعا وطنيا للتكامل، تتنافس فيه الجهات بإمكانياتها ومؤهلاتها، وتضطلع فيه الدولة بمهمة مساندة المناطق التي تحتاج إلى دعم بغاية تجاوز المعيقات التي تحد من قدرتها على هذه المنافسة.




