زكرياء لعروسي
“يأتي تخليد الذكرى السابعة والأربعين للمسيرة الخضراء، في مرحلة حاسمة، في مسار ترسيخ مغربية الصحراء.
وإذا كانت هذه الملحمة الخالدة، قد مكنت من تحرير الأرض، فإن المسيرات المتواصلة التي نقودها، تهدف إلى تكريم المواطن المغربي، خاصة في هذه المناطق العزيزة علينا.
ومن هنا، فإن توجهنا في الدفاع عن مغربية الصحراء، يرتكز على منظور متكامل، يجمع بين العمل السياسي والدبلوماسي، والنهوض بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية والبشرية للمنطقة.” (مقتطف من الخطاب الملكي للذكرى السابعة والأربعين للمسيرة الخضراء)
هكذا استهل جلالة الملك محمد السادس، نصره الله، خطابه إلى الأمة بمناسبة ذكرى المسيرة الخضراء.. أعطى من خلالها القيمة البالغة لإنسانية الإنسان، فأكرَمهُ ونعّمهُ، وجعله في صلب الاستراتيجيات والمسيرات التنموية، ليجعلها خادمة للإنسان، كقيمة، ولرقيه وتحسين وجوده، لا لاستغلاله، كوسيلة، لبلوغ مرامٍ لوجستية محسوسة.
فوسط تضارب الأجندات حول أقاليمنا الصحراوية المغربية العزيزة، للقوى المعادية الانتهازية، من محاولات استغلال الثروات والبحث عن توسعات والتربص بما جاد الله به على المنطقة بواسطة مرتزقة وقتلة ومجرمين، (وسط كل هذا) ينبع خطاب مغربي رصين، يقوده أمير المؤمنين، يكرم الإنسان ويجعله جوهرَ الاستراتيجيات وأسّ التصورات والمسيرات، ليميز “الخبيث من الطيب”.
وما أحوج العالم إلى تفكير مؤنسَن ومؤنسِن، ينقد البشرية من ويلات صراع بين الأقطاب العالمية حول المحسوسات والماديات الذي أغرق العالم في وحل أزمة اقتصادية وسياسية، أرهقت تداعياتها الجيوب ورفعت الأسعار وعمقت هوة التضخم وفتحت أبواب الحروب، وإن هي استمرت، ستهلك الحرث والنسل وتقضي على الجنس البشري… !
إن “الأنسنة”، كقيمة تؤطر توجهات المملكة المغربية، ليست وليدة اللحظة أو رهينة ظرفية، بل توجه راسخ مستمر؛ فقد أَسست الرؤية الملكية التنموية، لخطاب الأنسنة، على الصعيد الداخلي كما في العلاقات المغربية الإفريقية، وجعلته محور كل التوجهات والاستراتيجيات؛ إذ أكد جلالة الملك، في كل الخطب والرسائل الملكية السامية، على ضرورة إيلاء العناية ببـرامج التنمية البشرية، خصوصا تجاه القارة؛ وقد أشار جلالته إلى هذه الأنسنة، في خطابه بمناسبة الذكرى الرابعة والستين لثورة الملك والشعب، في غشت 2017 حين قال: “فإفريقيا كانت وستظل في مقدمة أسبقياتنا. وما يهمنا هو تقدمها وخدمة المواطن الإفريقي”.
ولا أدل على ذلك أيضا، من خطاب جلالة الملك، الذي ألقاه أمام المشاركين في أشغال القمة الثامنة والعشرين لقادة دول ورؤساء حكومات بلدان الاتحاد الافريقي، التي احتضنتها العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، بمناسبة عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي، في يناير 2017، حيث قال: ” إننا نؤكد التزامنا من أجل تحقيق التنمية والرخاء للمواطن الإفريقي؛ فنحن، شعوبَ إفريقيا، نتوفر على الوسائل وعلى العبقرية، ونملك القدرة على العمل الجماعي من أجل تحقيق تطلعات شعوبنا”.
لقد تبوأ المغرب موقع الريادة في مجال استقبال وتدبير تدفقات المهاجرين غـير القانونيين الوافدين على المملكة المغربية. فهذه المبادرة الملكية، بمنطلقها الإنساني المحض، لا تمثل وجها جديدا من أوجه التضامن إزاء شعوب إفريقيا فحسب، بل تعزز أيضا التـزام المغرب الراسـخ تجاه هذه الشعوب، كتوجه ثابت، “وليس شعارا أجوف يردده المغرب في المحافل الدولية” على حد قول جلالته. وهي مكون أساسي من مكونات مشروع “إفريقيا الجديدة”.
لقد أمر صاحب الجلالة الملك محمد السادس في خطاب العرش بتاريخ 30 يوليوز 2014، بإجراء تقييم شامل للإنجازات التـي حققها المغرب على مدى الخمس عشرة سنة الأخيرة، وذلك استنادا إلى مفهوم الرأسمال اللامادي، فأصبح المغرب، وبفضل هذه المبادرة، من بين الدول الرائدة التـي أقدمت على الاختيار الطوعي والمتعمد لتقييم ثروتها الشاملة واللامادية، وللتوفر على أدوات جديدة لتدبير السياسات العمومية بمنطلقات مؤنسِنة.
وتتميـز المقاربة القائمة على مفهوم الرأسمال اللامادي، بتوفير إطار متناسق لتقييم السياسات العمومية، يساعد على فهم ديناميات خلق الثـروة الوطنية وتحديد دوافعها الداخلية والخارجية، بالإضافة إلى تحسين عملية صياغة وتفعيل الإصلاحات والبـرامج العمومية وأنسنتها. كما تمكن هذه المقاربة أيضا، من التحام الأبعاد الداخلية والخارجية للخيارات الاستراتيجية للبلاد، من خلال جعلها متكاملة ومترابطة.
إن القوة الإنسانية العاقلة، التـي تخاطبها الرؤية الملكية، هي مبتدأ التخطيط الاستراتيجي، وخبر التحلل من المدركات القروسطية، وحال تحويل تفاعلات العلاقات الدولية من الصلادة إلى النعومة، بل هي المفعول المطلق للقطع مع خطابات الأدلجة وصناعة الصراع والعدميات والظلاميات.
فهذه القوة العاقلة المؤنسنة هي الأشرف والأنبل في مقامات القوى الإنسانية (الشهوانية والغضبية والعاقلة)، فكلما ازدادت صرامة، ازداد تحكم الروح في الأنا، وكلما مسكت بلجم كبح جماحها توهجت الروح في الأنا، وظهرت النورانية على مجموع الممكن الإنساني، لتنعكس على الماديات والمحسوسات، من خلال حكمة التسيير وعقلنة التدبير، لأن مصاديق الانحجاب تتهاتر.







