بقلم : محمد حسيكي
الغذاء مصدر الحياة لكل كائن حي، ومنه الانسان الذي يجري على لسانه، من التغذية وأخذ قسط من الراحة، قولته المأثورة تغذى وتمدد، كناية عن شبه القيلولة من بعد الظهيرة، بينما من بعد وجبة العشاء يجري على لسانه، تعشى وتمشى، كي يتجنب ثقل الهضم على البطن، من نوم الليل الذي يتقاسم الزمن مع النهار .
لكن المثل العام الجاري على اللسان، لم يعد محصورا على حياة الانسان، بل انتقل منه إلى بعض الحيوانات الأليفة التي تعيش معه من البيت، والتي تجد متسعا لها من تقديم التغذية بالشارع العام .
فإذا كانت الدواجن والمواشي، تحتاج إلى وقت القيلولة من وسط النهار، وقت الاعتدال الربيعي والحرارة الصيفية، فإن القطط والكلاب تتحرك وتنشط ليلا، لأن طبيعة السهر لديها تخصصه لذاتها، والتواصل من جنح الليل مع بني جنسها .
لكن الملفت في النظام الغذائي، من التطور الذي تمر به حياة الانسان، أنه ينتقل إلى الجوار الاحيائي الذي يحيط بالإنسان، لأجل الزيادة في الإنتاج وتحسين مستوى العيش بالطبيعة ومن يعيش عليها جانبا، لدى الإنسان كالقطط المنزلية .
القطط :
فصيلة من الحيوانات المنزلية الأليفة، التي تعيش مع الانسان من البيت، تنعم بالألفة من جانبه، وتستدفئ بالقرب منه، بل تقفز إلى حضنه، وتجتذب منه المرح من دعابته، تعرف بصوت عام، توميء منه حين تحس بالجوع والوحدة، وتصرخ منه غضبا حين تقشعر من الخوف، تخدش وتئف وتهرب حين تنفر، ويتميز الذكر من سن البلوغ بصوت خاص حين البحث عن شريك .
والقطط من حياتها الأولى فصيل صغير الحجم مختلف اللون من النوع اللاحم، الذي يتغذى على الجردان والزواحف والحشرات، من عهد الغاب الذي اكتسب منه مناعة ضد السموم الحية، لكن حياتها إلى جانب الانسان، غيرت من نمط عيشها إذ جعلته يتكيف مع مستوى العيش الجاري بالمنزل على حياة الإنسان .
ومن ثمة يتخذ القط مستوى العيش المواكب من المكان الذي يعيش فيه مع الانسان، وهي على نوعين : قطط القرى، وقطط الحواضر
قطط القرى :
هي قطط طبيعية طليقة الحركة والتحرك من البيت، وبالوسط من المحيط السكني العام خارجه، حين تحس بالجوع، توميئ، وتتلطف جانب الانسان، بالاحتكاك الأليف جانبه إلى جسمها ترفع ذيلها وتقوس سلسلة ظهرها توددا، تلاحق وترمق نظرات صاحبها بعينيها، علله يجود بما يطعم جوعها .
والقطط القروية تتغذى من البيت وتقتنص من جنباته، والإناث أكثر لزوما للبيت، بينما الذكور أكثر تجوالا، وهي تميز بين البيت الذي يأويها، والبيت الذي تطرق وسطه، تتفحص حدرة معاملة ساكنته، بالترحيب بها أو الغضب منها .
ويغلب على قطط القرية، العيش على الطبيعة الأولية، من التغذية على خشاش الارض، إلى جانب العيش مع الانسان من حياة الألفة و الطعام .
قطط الحواضر :
قطط المدن على نوعين : قطط الاحتضان التي لا تتعدى عتبة البيت، وقطط الشارع، التي خرجت عن عتبة الاستقرار والتي أصبحت متواجدة، من اسواق الحي واماكن بيع الوجبات، وهي قطط أضحت موضع رعاية عامة من طرف جمعيات الرفق بالحيوان، وبعض الهواة الذين يستأنسون بالقطط الضائعة، من إيوائها حيث يوفرون لها التغذية والرعاية الصحية .
قطط الشارع العام :
ظهرت هاته القطط من أزقة المدن وأسواقها، نتيجة التناسل الحر الغير المنظم والغير المراقب صحيا بين القطط، والذي يعرضها ونسلها إلى الطرد من البيت، حيث تجد العيش من جنبات السوق، أو العرضة للضياع والاصطدام من حركة المرور الطرقية .
وعهد تطور السكن الحضري من البناء السطحي إلى الأفقي، ارتفع التواجد العددي للقطط بالشارع، من ضيق السكن لدى الأسر المتعددة الأفراد، حيث لا يتسع المكان لتربية قط البيت أو كلب الغرفة أو طائر القفص المغرد، أو أسماك الحوض الزجاجي، إلا بشروط عيش لائق وتحت متابعة المراقبة البيطرية، والتغذية المركبة جافة أو معلبة .
وهكذا حظيت هاته الحيوانات بنوع من الرعاية، أدمجت منه في الحياة المنظمة، التي رفعت من قيمتها بالسوق، وجعلت عيشها يتكيف مع مسار التطور، الذي تتدرج فيه حياة الانسان .
ومن وفرة التغذية الحيوانية الجاهزة في السوق، انتشرت الرأفة بالحيوان من خارج البيوت، لتنصب على قطط الشارع، التي صارت بالمعاملة الرأفة تنعم بالتغذية الجاهزة، من يد عدة أشخاص تقدمها لهم بالشارع العام .
التغذية الجاهزة للقطط :
هي تغذية صناعية جافة في شكل أقراص مغذية، معروضة بالمتاجر تتوفر فيها كل مكملات التغذية، منشطة للجسم مريحة للنفس تحافظ للحيوان الأليف على سلامته الصحية، وهدوئه و استئناسه العام، فضلا عن سلامة العلاقة السلوكية مع المحيط الذي يتحرك فيه
وهكذا أضحت المارة ترى من جنبات الشارع والممرات الطرقية، نعمة هاته التغذية المصنعة والجاهزة، على عديد من القطط شبه نائمة وهي في حالة استرخاء جسمي، ونظرات هادئة تتفحص مرور المارة، وهي آمنة الجانب على نفسها، ناعمة العيش من محيطها
ومن ثمة إذا كانت تلك القطط قد ألفت الإنسان من حاجتها إلى الغذاء، فإن صيرورتها للعيش معه، قد بوأتها مستوى من الرفاهية والنعيم، الذي حولها إلى الحياة الحالمة بالتغذية، لا تخاف منها وحشة، ولا الدوران جوعا، وأن ما افتقدته من مأوى وحياة خاصة بالبيت، صارت تجده في أحضان الحياة العامة بالمجتمع، الذي يطعمها ويرفق بها، إذ من الرفق صار يقدم لها الغذاء المصنع، الذي منه تتغذى وتتمدد، منبطحة ساكنة بالشارع مما يجعلها من التغذية تنام وتستريح على الجانب المريح .
دور التربية في معاملة القطط :
تحظى القطط بنوع من الوصاية الدينية في الاسلام، تنذر بالعقاب الروحي من سوء المعاملة لها، وبأدب من الرعاية التربوية لدى الأجيال المدرسية، التي يربط العلم علاقة المبرة بها، وجانب الألفة معها من المحيط التربوي، الذي يترقى استئناسا بها، كما ساد مبدئيا من المحيط الطبيعي معها .
فمن الوجهة الدينية ينقل الحديث النبوي، عن الرسول صلى الله عليه وسلم، دخلت امرأة النار بسبب قطة، حبستها إلى أن ماتت جوعا، لم تطعمها، ولم تتركها تقتات من خشاش الأرض .
وعهد التعليم الاجتماعي، ساد من القراءة التربوية، أنشودة التغني بجمالية القطة، التي يرى منها الطفل، نظرة اللطف في العلاقة، والإعجاب بها من الهيئة، والنعومة من التربية، والأناقة من التواجد بالبيت، وهي لبيقة التموضع وقت الوجبة من تحت الطاولة، ناعمة الجلسة إلى جانب الأريكة .
ومن تربية الناشئة على الرفق وحسن المعاملة مع الحيوان، تجلى الاهتمام الاجتماعي في المعاملة من البيت ومن الشارع العام، بتوفير التغذية السليمة، والماء والحب من الزرع، للقطط وأسراب الحمام، التي ترفرف جوالة من الساحات وحدائق الفضاء العام .




