الأستاذ: علي اعمو.
كاتب من المغرب.
لم تكن نتائج انتخابات التجديد النصفي الأمريكية مجرد خسارة انتخابية عابرة للحزب الجمهوري، بل شكلت تحولاً في موازين القوى داخل الكونغرس، بعدما تمكن الحزب الديمقراطي من انتزاع الأغلبية في مجلسيِ النواب والشيوخ، في هزيمة سياسية للرئيس دونالد ترامب وحزبه.
وقد ارتبطت هذه النتيجة، وفق تحليلات إعلامية واستطلاعات رأي، بعدة عوامل، في مقدمتها سياسة ترامب الاقتصادية و حربه على إيران، التي ساهمت تداعياتها في ارتفاع أسعار الوقود وتكاليف المعيشة، وأثارت استياء قطاعات واسعة من الأمريكيين الذين لم يروا في هذه الحرب أية مصلحة لبلادهم فيها.
ولعل ما يعطي هذا العامل أهمية خاصة أن ترامب نفسه أقر بأن الحرب على إيران ساهمت في خسارة حزبه في هذه الانتخابات، كما ذهب نائبه جي دي فانس إلى أبعد من ذلك، حين اعتبر أن الحرب على إيران كانت السبب في الهزيمة الانتخابية. وهو ما يكشف حجم الانعكاسات السياسية لقرار عسكري تجاوزت تكلفته حدود المواجهة الخارجية إلى الحياة اليومية للمواطن الأمريكي.
SKY NEWS
لكن خسارة الجمهوريين لا يمكن اختزالها في الحرب وحدها؛ فقد ساهمت أيضاً السياسات الجمركية وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الثقة في أداء الإدارة، فضلاً عن اختيارات ترامب لبعض المرشحين الذين لم يتمكنوا من الاحتفاظ بمقاعدهم.
من الهزيمة الانتخابية إلى المساءلة السياسية.
لم تتوقف تداعيات النتائج عند فقدان الجمهوريين أغلبيتهم البرلمانية، بل فتحت الباب أمام مواجهة سياسية جديدة بين البيت الأبيض والكونغرس. فالديمقراطيون يتجهون إلى استخدام صلاحياتهم الرقابية لفتح تحقيقات بشأن سياسات الإدارة وتصرفات مسؤوليها، فضلاً عن المصالح التجارية لعائلة ترامب وعلاقاتها بالسلطة.
كما طُرح احتمال اللجوء إلى إجراءات عزل الرئيس من منصبه الرئاسي ، وهو ما قد يجعل ما تبقى من ولايته مرحلة من المواجهة السياسية والمؤسساتية. غير أن العزل لا يعني الإقالة تلقائياً، إذ يتطلب توجيه الاتهام في مجلس النواب، ثم الإدانة في مجلس الشيوخ بأغلبية الثلثين.
الجزيرة نت.
تؤشر سيطرة الحزب الديمقراطي على مجلسي النواب والشيوخ الأمريكيين إلى بداية مرحلة جديدة من المواجهة السياسية مع الرئيس دونالد ترامب، بعد انتهاء فترة الهيمنة الجمهورية على البيت الأبيض والكونغرس، التي أتاحت له هامشاً واسعاً لتمرير سياساته ومشاريعه التشريعية. أما اليوم، فسيجد نفسه أمام معارضة تمتلك أدوات الرقابة والمساءلة، وقدرة أكبر على التصدي لأجندته السياسية.
هزيمة ترامب بعيون دولية.
أما خارج الولايات المتحدة، فقد أثارت النتائج ردود فعل سياسية متباينة، عكست اختلاف المصالح والتطلعات الدولية.
ففي إيران، اعتبر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف أن الناخب الأمريكي قال لا للحرب، بينما شدد المرشد الإيراني مجتبى خامنئي على أن نتائج الانتخابات لن تغير بالضرورة طبيعة العداء الأمريكي لإيران.
وفي إسبانيا، قرأ رئيس الوزراء بيدرو سانشيز النتائج باعتبارها رفضاً للسياسات التي تؤدي إلى إفقار المواطنين وتكريس امتيازات النخب.
أما في أوروبا، فقد ظهرت مؤشرات تفاؤل بإمكانية تعزيز الدعم الأمريكي لأوكرانيا، في حين أكدت موسكو أن سياستها الخارجية وموقفها من الحرب الأوكرانية لن يتغيرا تبعاً للتحولات الحزبية داخل الولايات المتحدة.
وهكذا لم تكن ردود الفعل الدولية مجرد تعليقات على خسارة انتخابية، بل عكست ترقباً لما قد تحمله المرحلة المقبلة من تغيرات في السياسة الأمريكية تجاه ملفات الأمن والطاقة والتجارة والعلاقات الدولية.
فرانس 24.
هل تتغير السياسة الأمريكية تجاه إيران؟.
يبقى السؤال المطروح هو ما إذا كانت هذه الهزيمة ستدفع ترامب إلى مراجعة حساباته بشأن الحرب على إيران، أم أنه سيواصل سياسته رغم تغير موازين القوى داخل الكونغرس.
فالرئيس الأمريكي لا يفقد صلاحياته في السياسة الخارجية بمجرد خسارة حزبه الأغلبية التشريعية، لكنه يصبح أكثر عرضة للرقابة والمساءلة، وأقل قدرة على تمرير تشريعاته دون مواجهة مع المعارضة.
لقد كشفت هذه الانتخابات أن الحروب الخارجية ليست معزولة عن الحسابات الداخلية، وأن المواطن الأمريكي لا ينظر إلى القوة العسكرية باعتبارها غاية في حد ذاتها، بل يقيس نتائج السياسات بمدى انعكاسها على أمنه ومعيشته وقدرته الشرائية.
وهكذا وجد ترامب نفسه أمام فاتورة سياسية لحرب خارجية، لم تقتصر تداعياتها على علاقات الولايات المتحدة الدولية، بل امتدت إلى موقع حزبه داخل مؤسسات الحكم، وربما إلى مستقبل إرثه السياسي.




