الموازنة بين الحفاظ على المآثر التاريخية والبيئة.. أربعة أسئلة لعالم الآثار الدكتور محمد السمار
لاشك أن الأسوار والمآثر التاريخية لها سحرها الخاص لما تختزنه من ذاكرة زمكانية تجعلها تتربع على عرش العمران أينما وجدت، لكنها تزداد جمالا ورونقا عندما تتعانق مع بيئتها الطبيعية المحيطة بها؛ لا سيما أنواع الطيور التي تستوطنها منذ آلاف سنين، والتي تزيدها بهاء وجاذبية حتى صارت جزءا من ذاكرتها التاريخية.
في حوار خص به عالم الآثار، محمد السمار، وكالة المغرب العربي للأنباء، يقارب المتخصص منهج الموازنة بين الحفاظ على المآثر التاريخية والحفاظ على الكائنات الحية التي تستوطنها وفي مقدمتها الطيور من خلال تأكيده على أهمية الاستناد إلى قواعد علمية صرفة في هذه المقاربة.
1- جمالية الأسوار والمآثر التاريخية تزداد جاذبيتها بالطيور التي استوطنتها عبر السنين حتى صارت جزءا منها، برأيكم ، ما مدى إدماج البعد البيئي ومفاهيم الحفاظ على التنوع البيولوجي الخاص بالطيور في العمران وصيانة الأسوار التاريخية ؟
الحقيقة أن المقاربة ما بين عملية الصيانة والترميم للمآثر التاريخية بصفة عامة والأسوار والأبراج التاريخية بصفة خاصة، باعتبارها أكثر عرضة للاستيطان من قبل الطيور سيما في المواقع التاريخية كموقع شالة الذي تستوطنه طيور اللقلاق بشكل مكثف، يجب أن تؤخذ بحذر كبير، لأن هناك بعض المتخصصين في ميدان التراث والآثار والتاريخ الذين يتعصبون لجانب الترميم والصيانة والإصلاح بغض النظر عن الجانب البيئي، ويعتبرون أن كل ما يضر بالمباني التاريخية من الكائنات الحية التي تستوطن هذه المآثر كالطيور والحشرات وأنواع الحيوانات الأخرى يجب محاربته واستئصاله، وهذا برأيي موقف متطرف للغاية، كما أن تعصب حماة البيئة والحيوانات والنباتات وغيرها من الجمعيات والمتخصصين في البيئة الذي يرفضون المساس بالبيئة وبكائناتها الحية غير مقبول أيضا.
المقاربة المثلى تتمثل في التوسط والاعتدال بين الأمرين، من خلال اعتماد حل وسط كما فعلنا في تجربة حية بموقع شالة، حيث قمنا بإزالة الأعشاش المتواجدة في الموقع بكيفية متدرجة وفي الفترة التي تكون خالية من البيض أو صغار اللقلاق، بحيث لا يتم إزالة أعشاش إضافية إلا بعد الانتهاء من ترميم جانب من هذه المآثر إلى أن يتم استكمال أشغال الترميم. وأثبتت التجربة أنه بعد الانتهاء مباشرة من الترميم تعود الطيور من جديد وتبني أعشاشا جديدة. وهكذا فإن صيرورة الحياة ما بين المآثر التاريخية وصيانتها وما بعد الصيانة تبقى قائمة، لأن عملية الترميم والصيانة لا توقف صيرورة الحياة البيئية بهذه المآثر سواء كانت طيورا أو نباتات أو حشرات كالنحل مثلا وغيرها .
لهذا فالموازنة بين الحفاظ على المآثر والحياة البيئية مطلوب كمقاربة وسطية تستحضر أهمية الجانبين. لكن بشرط الحرص على مراقبة ومتابعة تواجد هذه الكائنات بحذر كبير، حتى لا يحصل ضرر بمستوى متقدم يهدد هذه المآثر.
2 – هل هناك مراقبة ومتابعة فعلية ؟
هناك مراقبة خلال عملية الترميم، لكن ليست هناك متابعة ومراقبة ما بعد الترميم.
3- ما المنهج المطلوب عمليا في تنزيل مقاربة متوازنة تحفظ التراث والبيئة معا؟
قبل عملية الترميم وطلب العروض، يجب إجراء دراسات متقنة مضبوطة بما فيها دراسات عن النباتات والحيوانات المستوطنة لهذه المآثر وكيفية التعامل معها. بحيث يقوم نفس مكتب الدراسات أو المهندسين، أو المتخصصين في الطيور أو النباتات بعملية المواكبة إلى جانب علماء الآثار وذلك في إطار لجنة تشرف على عملية الترميم. وبعد الانتهاء من هاته الأخيرة، تنطلق عملية الصيانة بإطلاق طلب عروض خاص بالصيانة، يشمل أمرين : صيانة المآثر التاريخية ومتابعة تواجد الطيور ومراقبتها باستمرار للتدخل من أجل إزالة أي خطر محتمل لها على المآثر التاريخية سواء بسبب ثقل الأعشاش أو غير ذلك. هذه المواكبة وهذا الاحترام المتبادل للمآثر التاريخية واللقى الأثرية والبقايا الأثرية من جهة، والبيئة من جهة ثانية يعطيان نتائج إيجابية.
نحتاج اليوم إذن إلى هذه الالتقائية في تدبير مسألة ترميم البنايات التاريخية مع استحضار عنصر الحفاظ على الحياة البيئية، بناء على قواعد علمية صرفة ومن خلال التشاور والتبادل بين الخبراء والمتخصصين بدل التجاذبات العقيمة.
ولابد أيضا من استحضار العمق التاريخي للبعد البيئي في الحضارة المغربية عبر التاريخ، ففي العهد المريني كان ما يسمى بـ”مارستان بلارج” (أي مستشفى اللقلاق)، كان يعالج فيه اللقلاق المجروح أو المكسور أو المريض، وحبست لأجل ذلك أملاك، كما يعالج فيه أيضا باقي أنواع الطيور. مما يدل على مستوى التقدم الذي بلغته الحضارة المغربية تاريخيا في وعيها وعنايتها بالبيئة.
4 – سجلت جمعيات حماية الطيور أن عملية ترميم أسوارا تاريخية أضرت بأماكن استيطان الطيور بسبب إغلاق الثقوب الموجودة بهاته الأسوار، مارأيكم كمتخصص في الآثار بهذا الخصوص ؟
الجواب بكل وضوح أنني من بين المؤرخين المتخصصين في الآثار الذين يدافعون بشدة على الإبقاء على هذه الثقوب بالأسوار التاريخية وعدم إغلاقها لأهميتها سواء من الناحية التقنية او الجمالية. فهي من الناحية التقنية تمكن الجدران من التهوية وتسمح بترشيح مياه الأمطار وعدم احتباسها داخل الجدران، وتساعد على جفافها من خلال التعرض للحرارة، حتى لا تتسبب في التآكل الكيميائي للسور وهكذا يحصل نوع من التوازن يحمي الجدار من الهشاشة مع مرور الوقت.
أما من الناحية الجمالية، فإن هذه الثقوب تضفي جمالية ورونقا على هذه الأسوار، فهي تعكس ذاكرة إبداع حضاري عريق باعتبارها عنوانا للأساليب القديمة في بناء أسوار القصور والحصون كما هو الشأن بالنسبة لقصور الجنوب، وذلك باستعمال ما يعرف “بالتابوت” الذي يُملأ بالتراب والجير وتستعمل فيه عيدان متينة لشده جيدا، وعندما يجف التراب تزال هذه العيدان، فتترك ثقوبا بادية للعيان. هذه الثقوب تعكس فلسفة البناء وتقنياته في مرحلة تاريخية معينة.
إشكال إغلاق الثقوب طرح في شالة مثلا، لكن يمكن الإشارة إلى أنه خلال العقدين الأخيرين تقريبا بدأت عمليات الترميم تتم بعد دراسات معمقة، من طرف مكتب الدراسات ومختبرات للتحليل متخصصة في الآثار ومن طرف علماء الآثار ومؤرخين ومهندسي الآثار، ومهندسي التراث. وبالتالي فالأمور تتحسن مقارنة مع ما كان عليه الأمر في السابق، وتسير في الاتجاه الإيجابي وليس العكس.





لماذا لا تنسبوا الحوار للصحافية التي انجزته من وكالة المغرب العربي للأنباء؟ ، هذه ممارسة غير مهنية للأسف !