محمود حكميان*
فجأة وعلى حين غرة، وبعد نأي بالنفس وتحاش واضح للعلاقات والزيارات مع بلدان المنطقة، وإذا بممثلي النظام الايراني ولاسيما وزير خارجيته الذي قتل في حادث تحطم طائرة إبراهيم رئيسي قبل يومين لايکاد أن يکل ويمل من زياراته ولقاءاته مع وزراء خارجية بلدان المنطقة وإظهار الحرص على أمن المنطقة وعلى الاوضاع في غزة وضروة العمل من أجل تدارك الامور قبل أن تتجه نحو الأسوء، والملفت للنظر إن النظام الايراني لم يظهر هکذا حرص وهکذا صميمية غير عادية على العلاقات”الإيجابية” مع بلدان المنطقة من قبل، بل کان يسعى من أجل فرض الإملاءات على هذه البلدان بطرق إيحائية وغير مباشرة.
التصريحات والمواقف السياسية المعلنة في أوساط النظام الايراني بإتجاه الانفتاح على بلدان المنطقة والاهتمام بتطوير العلاقات معها على مختلف الاصعدة، يمکن القول بأنها غير مسبوقة منذ تأسيس هذا النظام الى الاحتجاجات الشعبية واسعة النطاق في 16 سبتمبر2022، إذ أن الذي جرى من تصرفات وإجراءات بعد هذه الاحتجاجات من جانب النظام يختلف وبصورة جوهرية عما قبلها، ومن دون شك فإنه لايمکن أبدا الثقة بأن هذا النظام ومن ثعبان وعقرب سام تغير الى حمل وديع، فذلك مالايمکن تصديقه إذ وطبقا للقاعدة المعروفة: (حدث العاقل بما لايليق فإن صدق فلا عقل له)، فإن ظلال کبيرة من الشکوك تحوم حول هذا التغيير في إسطرلاب سفينة نظام ولاية الفقيه بإتجاه بلدان المنطقة!
الوداعة الحالية للنظام وفي ظل التجارب السابقة، لايمکن أبدا الثقة بها والاعتماد والتعويل عليها خصوصا وإنها تأتي بعد آثار وتداعيات تطورين مهمين وحساسين هما إحتجاجات 2022، والحرب الدامية في غزة والتورط الواضح للنظام الايراني فيها، إذ أن النظام بحاجة ماسة لدرع وقائي تجاه الداخل الايراني من أجل إمتصاص زخم قوة الرفض الشعبي ضده من جهة، کما إنه وفيما يتعلق بالحرب في غزة، بحاجة شديدة أيضا لکي يجعل من نفسه رقما صعبا في المنطقة وليس صاحب الشأن کما حاول أن يوحي في بداية الحرب ولاسيما وإن رده المثير للتهکم على إسرائيل قد أظهر حرصه الواضح على عدم السماح بأن يتطور الى مواجهة، رغم إنه وطوال ال45 عاما المنصرمة صدع رٶوس الشعب الايراني وشعوب بلدان العالمين العربي والاسلامي بخطبه النارية التي کان يهدد فيها إسرائيل بالويل والثبور وحتى إزالتها من الوجود!!
هناك ملاحظة مهمة أخرى خاصة بعد مقتل إبراهيم رئيسي وأمير عبداللهيان وتبدد أحلام خامنئي يجب أن نأخذها في الحسبان وهي إن الشعب الايراني لن يتخلى عن الإطاحة بهذا النظام كما لم ينجرف ويتفاعل مع الإيقاع الحماسي للنظام بخصوص حرب غزة بل إنه تعامل معها بحذر وترقب شديدين ولاسيما بعد أن بدأت الاصابيع تشير للنظام بإستغلاله لهذه الحرب من أجل أهداف ومآرب أخرى لاعلاقة لها بالقضية الفلسطينية وبأهالي غزة وحتى إن إستمرار التحرکات الاحتجاجية الشعبية ونشاطات الشبکات الداخلية لمجاهدي خلق، قد کان بمثابة تأکيد من إن الصورة في داخل إيران بشأن الحرب في غزة ليست أبدا کما يرسمها النظام.
بلدان المنطقة من حقها المشروع أن لاتثق بنوايا النظام الايراني وحتى أن تأخذه على محمل الشك، ذلك إن هذا النظام إذا ماکان جديا في حرصه على أمن وإستقرار بلدان المنطقة وعدم زعزعزتها فإن على هذا النظام ولکي يثبت حسن نيته أن يضع حدا لتدخلاته في المنطقة ويقطع صلاته بأذرعه فيها، فهل سيفعل؟ بل هل هناك من يمکن أن يصدق إنه سيفعل ذلك؟!!
*عضو لجنة الشؤون الخارجية في المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية
شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني






