في قرار يُعد ضربة قوية للنظام الجزائري، رفضت محكمة الاستئناف في إيكس أون بروفانس، اليوم الأربعاء 19 مارس، طلب الجزائر بتسليم وزير الصناعة الأسبق، عبد السلام بوشوارب، المدان في قضايا فساد، لتُغلق بذلك الملف بصفة نهائية، رغم الضغوط الجزائرية المتواصلة.
وبررت المحكمة قرارها بالتأكيد على أن تسليم بوشوارب قد يشكل تهديدًا خطيرًا على صحته، مشيرة إلى أن هذا القرار يتماشى مع المادة الثالثة من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، والمادة الخامسة من اتفاقية تسليم المطلوبين الموقعة بين الجزائر وفرنسا عام 2019.
إخفاق دبلوماسي جديد للجزائر
ورغم أن الجزائر تقدمت بـ ستة طلبات رسمية لتسليمه، إلا أن القضاء الفرنسي قرر اتباع توصية النيابة العامة، التي حذّرت خلال جلسة 5 مارس الماضي، من أن إعادته إلى الجزائر قد تؤدي إلى تدهور حالته الصحية.
وبالمقابل، اعتمد دفاع بوشوارب، بقيادة المحامي بوهبوت، على تقرير نشرته مجلة “جون أفريك”، انتقد فيه الأوضاع “المزرية وغير الإنسانية” للسجون الجزائرية، مما زاد من قناعة المحكمة بأن تسليمه قد يعرضه لمعاملة لا تتوافق مع المعايير الحقوقية الأوروبية.
ازدواجية الموقف الجزائري تثير السخرية
المثير في هذه القضية أن الجزائر، التي رفضت استعادة مواطنيها المهاجرين غير النظاميين من فرنسا، تصرّ على استرجاع بوشوارب، في موقف يعكس ازدواجية صارخة في تعاملها مع قضايا الهجرة والعدالة. فرغم استماتتها في الضغط على باريس لاستعادة وزيرها الأسبق، إلا أنها ترفض استقبال جزائريين مرحّلين من فرنسا، مما يعكس تخبطًا دبلوماسيًا صارخًا للنظام الحاكم.
بوشوارب.. من وزير إلى هارب دولي
وكان القضاء الجزائري قد أصدر أمرًا دوليًا بالقبض على بوشوارب، مع فرض غرامة مالية قدرها 32 مليون دينار على شركته، بعد اتهامه بإنشاء شركة سرية في سويسرا لتبييض الأموال بالتواطؤ مع مسؤولين من شركات تركية.
ويواجه الوزير الأسبق تهماً خطيرة تشمل تبييض الأموال، استغلال النفوذ، إساءة استخدام المنصب، تلقي رشاوى، تبديد المال العام، ومنح امتيازات غير مشروعة في الصفقات الحكومية، وهي قضايا تؤكد مدى تغلغل الفساد في منظومة الحكم الجزائرية، التي يُنظر إليها على أنها أداة لتصفية الحسابات بين أجنحة السلطة أكثر من كونها سعيًا حقيقيًا لتحقيق العدالة.
هل تتجه العلاقات الجزائرية-الفرنسية نحو مزيد من التوتر؟
يُتوقع أن يزيد هذا القرار من حدة التوتر بين الجزائر وفرنسا، خصوصًا أن النظام الجزائري يرى في ملف بوشوارب فرصة سياسية لإظهار نفسه بمظهر النظام الحريص على مكافحة الفساد. لكن فرنسا، التي تتعامل مع القضايا الحقوقية بمنظور أوروبي صارم، رفضت الانخراط في لعبة تصفية الحسابات داخل النظام الجزائري.
ورغم الضغوط التي مارستها الجزائر، إلا أن القضاء الفرنسي اختار أن يقطع الطريق أمام أي محاولة لاستغلال ملف تسليم المطلوبين لتحقيق مكاسب سياسية داخلية، في رسالة واضحة مفادها أن فرنسا لن تكون جزءًا من تصفية الحسابات داخل النظام الجزائري.


