الأستاذ رضوان سند – باحث قانوني (إطار قانوني)
– مقدمة:
نشير ابتداء إلى أن جهاز الشرطة يضطلع بدور كبيرا وأساسيا في تحقيق الأمن، أولا بأدائه الدور الكامل في خدمة الأمن العام بالتعاون مع مؤسسات الدولة الأخرى، وثانيا تقربه من المواطن وتعاونه معه لتجسيد هذا الأمن، والتقليل والحد من معدلات الجرائم، في حماية أخلاق الشعـب ورعاية سلوكه الاجتماعي، إلى جانب عبء توفير الأمن والطمأنينة، فالبرامج الشرطية اليوم لا تكافح الجريمة فقط بعد وقوعها، بل تشارك مشاركة فعالة في البحث عن مسببات هذه الجريمة بوصفها مشكلة اجتماعية؛ لإيجاد الحلول لها، وهذا بتضافر جهودها مع جهود هيئات أخرى في الدولة مثل إدارة الشؤون الاجتماعية والمؤسسات الدينية “والمؤسسات التربوية والتعليمية والرياضية وجمعيات المجتمع المدني، ووسائل الإعلام، وحتى الجمعيات السياسية، وسبيل هذه البرامج في ذلك هو إثارة انتباه المجتمع للمشاكـل التي تواجهه، والمساهمة الفعالة في التعاون مع هذا المجتمع، للقضاء على مثل هذه المشاكل والمظاهر السلبية. ومن ضمن هذه البرامج هناك مفهوم العمل الشرطي المجتمعي، والذي يعنى بالتعاون بين الشرطة والمجتمع بهدف مواجهة التحديات والمشاكل التي تحيط بالمجتمع وتحديدها والعمل على حلها، وتجسير العلاقة بين المجتمع والشرطة. فالشرطة تقدم الدعم والموارد لحل المشاكل “وتحسين جودة الحياة”، ولكن لا يمكن تحقيق ذلك دون أن تكسب الشرطة ثقة المواطنين، حيث تتعزز الوقاية من الجريمة بواسطة التربية الأمنية التي تعني تعليم وتعلم المفاهيم الأمنية والخبرات اللازمة للمواطنين لتحقيق الأمن الوطني وحماية الموارد الطبيعية ومقاومة الرذيلة والأمراض الاجتماعية.
ولما كان أثر التطور التكنولوجي الحديث قد انتقل إلى مختلف المجالات والأنشطة في حياة المجتمعات، بما في ذلك الأجهزة الأمنية، وذلك من أجل تعزيز كفاءة وفعالية العمليات الإدارية والعملياتية، لبلوغ السلامة المنشودة عن طريق الإنفاذ السليم للقانون، والحفاظ على الأمن في المجتمع والنظام العام، باعتبار ذلك يبقى أساس العمل الشرطي الرصين. ومن تم كان لابد للشرطة المغربية في قسمها المجتمعي أن تستغل هذا التطور التكنولوجي لتفعيل وتوسيع المشاركة في صيغتها الرقمية بما يمكن الجمهور من المشاركة والمساهمة في عملية صنع القرار، وذلك من خلال مشاركته في وضع المقترحات والملاحظات، وإبداء الرأي باستخدام التكنولوجيا الحالية التي تتمتع بها مملكتنا المغربية على جميع الأصعدة، فضلا عن استثماره لأدوات المشاركة الإلكترونية، مما يكون له أثره الإيجابي الكبير في تحقيق أهداف المؤسسة التي تستخدمها.
وبناء عليه، صارت برامج الذكاء الاصطناعي و تطبيقاته أرضية خصبة لفائدة الجهات الرقابية والأمنية تسهل عليهم أداءهم في مراقبة الانتهاكات والتهديدات الأمنية بدقة من خلال تتبع ومراقبة البيانات المتداولة وتحليلها، بما يعزز قدرات الوقاية من الجريمة، وتحسين أداء الشرطة في حماية المجتمع، حيث يقوم هذا النهج على بناء ثقة الجمهور في الشرطة، وتعزيز التعاون الفعال، والحفاظ على النظام العام، ويمكن لقوات الشرطة من خلال التكنولوجيا الحديثة الوصول إلى معلومات أكثر دقة، ويمكنها تحليلها بشكل أسرع باستخدام الذكاء الاصطناعي قيد الذكر، وتسخير التقنيات المتاحة المتقدمة العالية الدقة.
وبناء عليه، ونظرا للتطور السريع في التكنولوجيا الرقمية وقدرات تحليل البيانات، فإن الأجهزة الأمنية قد أمست تواجه تحديات جديدة في كيفية توظيف هذه التكنولوجيا بشكل فعال لتحسين علاقتها مع المجتمع وتعزيز الوقاية من الجريمة، فعلى الرغم من الجهود المبذولة في تطوير العمل الأمني المجتمعي في المملكة المغربية، لاسيما في ظل التوسع الملحوظ لبلادنا في استخدام الأدوات الرقمية في العمل الشرطي، فعلى الرغم من ذلك، لا تزال هناك فجوة في الفهم الواضح لكيفية استخدام الأدوات الرقمية الحديثة، مثل المشاركة عبر المنصات الإلكترونية وتحليل البيانات الضخمة، وبالتالي، يكون مدى تأثير هذه الأدوات التكنولوجية على تطوير العمل الشرطي المجتمعي كبيرا في المملكة المغربية، بما فيها التعزيز المحترم للوقاية من الجريمة. بالرغم من افتراضنا أن المغرب لا يتوفر حاليا على بيانات رسمية حديثة تقيس مدى زيادة استخدام هذه المنصات وتأثيرها المباشر على معدلات الجريمة، مما قد يضع الذكاء الاصطناعي الحالي المستعمل أمام التساؤل بخصوص فعالية تقنياته وبرامجه في دعم جهود “العمل الأمني المجتمعي للوقاية من الجريمة. علما أن التقارير الدولية كمرجعية مهمة في كموضوعنا هذا والصادرة عن الأمم المتحدة حول الأمن الرقمي تشير إلى أن المساهمة الرقمية يمكنها أن تساعد في خفض معدلات الجريمة إذا تم تطبيقها بشكل فعال. إلا أن هذا التأثير يعتمد على عوامل متعددة، منها مستوى الوعي الأمني لدى المواطنين، ومدى تكامل هذه الأدوات الرقمية مع استراتيجيات العمل الشرطي التقليدي، بالإضافة إلى التحديات التقنية والتنظيمية التي قد تؤثر على كفاءتها.
وحتى تتسنى للإدارات ذات الطابع الأمني المجتمعي بأرجاء المعمور المغربي أداء دورها المنوط بها في الوقاية من الجرائم، فإنه يلزم الارتقاء بدور المنصات الرقمية (المسخرة لبرامج الذكاء الاصطناعي) في نشر الوعي الأمني وتحفيز المشاركة المجتمعية في جهود الوقاية من الجريمة في المملكة المغربية، وهذا الأمر بدوره لن يتأتى إلا من خلال مجموعة من التوصيات، والتي منها:
تحسين استراتيجيات العمل الأمني المجتمعي الذكي( الرقمي) عبر تقديم حلول ملموسة قائمة على بيانات تحليلية حول مدى تأثير مساهمة الذكاء الاصطناعي في تعزيز الأمن الوقائي.
تعزيز كفاءة استجابة إدارات العمل الأمني المجتمعي من خلال تطوير آليات تفاعلية رقمية تسهل الإبلاغ عن الجرائم، مما يدعم أهداف استراتيجيات المغرب في بناء بيئة آمنة ومستدامة.
تقديم حلول للتحديات التقنية والإدارية التي قد تعيق التكامل بين الشرطة والمجتمع عبر المنصات الرقمية، مع اقتراح آليات لتعزيز وعي المواطنين بأهمية التفاعل الرقمي في العمل الأمني.
دعم صناع القرار في تطوير سياسات أمنية رقمية متكاملة تعتمد على الابتكار والتحليل الرقمي لتعزيز الوقاية من الجريمة وتحقيق التكامل بين التكنولوجيا والمجتمع.
المساهمة في تحقيق مجتمع رقمي آمن ومتفاعل من خلال تفعيل قنوات التواصل الإلكترونية بين الشرطة والمجتمع، بما يعزز ثقة المواطنين في المؤسسات الأمنية ويرفع من مستوى التعاون الأمني الرقمي.
تثمين العلاقة الارتباطية الإيجابية بين استخدام التكنولوجيا وتعزيز التواصل بين المواطنين و فريق العمل الأمني المجتمعي، وكذا تقوية الارتباط بين استخدام المنصات الرقمية ورفع مستوى الوعي الأمني وتحفيز المواطنين على المشاركة في جهود منع الجريمة.
السعي نحو تدعيم دور التقنيات الرقمية الحديثة المستخدمة في العمل الشرطي المجتمعي، اهتداء إلى تحسين سرعة الاستجابة للبلاغات وتعزيز كفاءة العمل الأمني، مع جعل تحليل البيانات الرقمية عاملا مساهما في تحسين استراتيجيات الفريق الأمني المجتمعي المعني، من خلال التنبؤ بأنماط الجرائم وتعزيز التدخل الأمني الاستباقي، وكذا تثمين الارتباط الإيجابي الحاصل بين تعزيز استخدام الأدوات الرقمية وتحسين سياسات المشاركة الإلكترونية ورفع كفاءة شرطتنا المغربية المنوط بها العمل الأمني المجتمعي، تفاديا لوقوع الجرائم و تخفيض معدلاتها و التقليل من حالات العود.
خاتمة
وختما لورقتنا العلمية هاته نود ان نشير إلى أن إدارات العمل الشرطي المجتمعي تعد استراتيجية تركز على بناء علاقات العمل والتفاعل المباشر والوثيق مع أفراد المجتمع المحلي ومؤسساته المختلفة؛ بهدف مواجهة الجريمة من خلال التوقع والتنبؤ وتطبيق استراتيجيات الوقاية، وفي عصر التطور العلمي والتكنولوجي، بات دمج أدوات المشاركة ببرامج الذكاء الاصطناعي أمرا بالغ الأهمية في تعزيز عمل الشرطة في طابعه المجتمعي وتطويره. فضلا عن كون فريق العمل الأمني المجتمعي يستفيد من التطور التكنولوجي لتعزيز التواصل والتعاون والثقة بينها وبين المجتمع، مما يساهم في منع الجريمة بشكل أكثر فعالية، وتخصيص الموارد بفعالية، وزيادة المشاركة المجتمعية، ورفع كفاءة الأجهزة الأمنية على مستوى التخطيط والتنفيذ والوقاية والتحليل والتنبؤ. كما تأتي جهود شرطة المغرب في طابعها المجتمعي من أجل التعزيز لمنطق الأمن الوقائي من الجريمة، باعتباره جزءا من رؤى البلاد في التحديث والتطوير والتنمية، وتوسيع قاعدة المشاركة المجتمع بشتى فيالقه و أطيافه و فئاته العمرية و الجندرية في العمل الأمني والوقاية من الجريمة، والاستفادة من إمكانات البلاد في توظيف واستثمار أحدث التقنيات التكنولوجية في العمل الشرطي المجتمعي، وضمن معايير الجودة العالمية، في ظل القوانين والتشريعات الوطنية التي تنظم العمل الأمني من جهة، واستخدام التكنولوجيا من جهة أخرى. ونضيف ملاحظة أخرى ضمن خاتمة ورقتنا العلمية هاته، متمثلة في استثمار المؤسسة المغربية الشرطية المجتمعية للتكنولوجيا في عملها، ولكنها بنفس الوقت تهتم بالمشاركة الرقمية المجتمعية، حيث إن الأدوات الرقمية الذكية تعمل على سد الفجوة بين الشرطة والمجتمع، وتعمل على تعزيز خطوط الاتصال المفتوحة والتفاهم المتبادل، كما أنها توفر رؤية شفافة لأنشطة الشرطة وإحصاءات الجريمة، في البلاد لغايات التتبع والتخطيط، فضلا عن تمكين شرطتنا المغربية المجتمعية من الوقاية الاستباقية من الجريمة عبر تحليل البيانات، وتعمل المشاركة الرقمية على تمكين المواطنين من خلال منحهم الأدوات للمشاركة بنشاط في مبادرات الوقاية من الجريمة وسلامة المجتمع. إلا أن استخدام التكنولوجيا في عمل شرطة المغرب المجتمعي لا يخلو من بعض التحديات والمشكلات القانونية والفنية والثقافية والاجتماعية، مما يستلزم معه القيام بدراسة كل هذه التحديات والمشكلات بشكل مستمر مستقبلا لوضع الحلول المواكبة اللازمة لها، في ضوء خطط التحديث والتطوير المستقبلي، علما أن هناك العديد من التجارب الإقليمية والدولية المتقدمة في هذا المجال، والتي يمكن أن يستفاد منها في سياق عمل الشرطة المغربية في مسارها المجتمعي، خاصة و مملكتنا المغربية على مشارف التنظيم الفعلي لمباريات كأس العالم ( الفيفا) الذي تكون بشأنه المملكة أحوج بشكل كبير إلى برامج الذكاء الاصطناعي في مختلف محطات هذا التنظيم بغية إنجاحه كما نجحت بشأنه دولة قطر الشقيقة.
ولتعزيز العمل المجتمعي لشرطة مملكتنا المغربية ومواجهة التحديات التكنولوجية وزيادة نسبة المشاركة المجتمعية سواء التقليدية أو الرقمية في عمل الشرطي المجتمعي، نوصي إلى جانب توصياتنا بمتن الموضوع أعلاه بما يلي:
لابد من توفير قوانين وطنية قطرية لحماية هذه الخصوصية في نطاق عمل الشرطة المجتمعية، مما يعني الحاجة لتحديث القوانين الحالية، وذلك في ظل التأثيرات السلبية للتكنولوجيا في عمل الشرطة المجتمعية تتعلق بحماية البيانات والخصوصية وحق المواطن في سرية معلوماته.
نظرا لحداثة التجربة المغربية في مجال العمل الشرطي المجتمعي، بما فيها شرطة العنف ضد النساء والشرطة الإدارية، وبالتالي فإن تبادل الخبرات والتدريب الدولي يمكن أن يكون له أثر بالغ الأهمية في توسيع عمل المجتمعي للشرطة، والاستفادة من نظم الذكاء الاصطناعي الدولية. كما يمكن الاستفادة من الخبرات الإقليمية والدولية في تطوير البرامج التكنولوجية الأمنية القائمة، والعمل على تدريب الكوادر الوطنية المغربية في إنتاج البرامج الإلكترونية الأمنية التي تلبي احتياجات المجتمع.
تحت فرق العمل الأمني المجتمعي إلى إطلاق موقع إلكتروني خاص بها، منفصل عن موقع وزارة الداخلية، يتضمن منتديات حوار تفاعلي، واجتماعات افتراضية مع المواطنين لزيادة المشاركة الرقمية في العمل المجتمعي للفرق الشرطية المعنية.
إعادة النظر في قوانين التكنولوجيا، والمراقبة والتتبع، وقوانين حماية البيانات والخصوصية، لإزالة التداخلات والتناقضات بينها؛ لتمكين الشرطة المغربية من الاستفادة من التكنولوجيا في عملها.
تخصيص موازنات مستقلة لغايات التدريب والتطور، وتوظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في العمل الشرطي المجتمعي.
إجراء دراسة مقارنة بين التجربة المغربية في توظيف التكنولوجيا في إدارات أو أقسام العمل الشرطي المجتمعي، وبعض التجارب بالمنطقة العربية في هذا المجال مثل التجربة الإماراتية والقطرية والأردنية لاستخلاص الدروس منها.








