رسالة إلى جيل Z: التغيير لا يصنعه الرماد

 

ليست قصة من نسج الخيال بل حقيقة عايشتها سابقا، لدي أخ في طفولته طالب غير ما مرة بدراجة هوائية وقد قوبل آنذاك طلبه بالرفض وبعد محاولات متكررة، اضطر لتمزيق جلباب أمي الجديد الذي كانت تستعد لحضور مناسبة به والمفارقة الغريبة أنه بعد هذا العمل “الطفولي”، تم شراء الدراجة، هذا الأخ هو اليوم من جيل Z، ممن أعطوا انطلاقته البيولوجية حسب تاريخ ميلاده.

بهذا المنطق، هل سننتظر أن يمزق شباب جيل Z الجلاليب ليتم التفاعل مع مطالبهم؟ هذا التساؤل يضعنا أمام واقع الأحداث المتسارعة التي شهدتها الساحة. فبالأمس فقط كانت صرخة “جيل Z” تعانق سقف السلمية، مطالبة بالصحة والتعليم، وإذ بنا اليوم نرصد للأسف، انزلاقا خطيرا حيث تحولت صور الاحتجاجات السلمية إلى مشاهد عنف مؤسفة، وباتت أصوات المطالبين الحقة تختلط بضجيج التخريب المريب.

إن الوطن لنا جميعا، ومن يحمل همّه بصدق يعلم أن الوطن لا يُبنى على رماد الغضب فالمرحلة الحالية تقتضي وقفة حازمة وتفكيرا تكتيكيا لا انسحابا بعقلية المنهزم، بل انسحابا تكتيكيا ذكيا لإعادة الشرعية للمطالب في ظل أعمال التخريب التي تهدد بأن تلتهم شرعية رسالتكم النبيلة برمتها، فمهما كانت الجهة التي تقف خلفها فإن هذا الانزلاق يمنح المشككين الذريعة السهلة لتجريم مطالبكم بأكملها وتجاهلها، والأخطر، أن هذا التحول سينقلكم من خانة ضحايا السياسات الفاشلة إلى خانة المعتدين على الأمن العام.

لا نختلف تماما على أن الصمت المريب والإصرار على إدارة الأزمة بنوع من الصمم السياسي سيجعلنا جميعا نغامر بتمزيق نسيجنا الاجتماعي ولكن ثقتنا في ذكائكم السياسي- الشبابي وقدرتكم على قراءة تطور الأحداث تقتضي منكم إعادة تقييم الوضع فورا فالأمن أولوية كبرى والحل لا يكمن أبدًا في تصعيد يهدد هذا الأمان.

هنا، أستحضر قصة تشي جيفارا الذي تمت الوشاية به من لدن راعي أغنام خاف على قطيعه من صولات وجولات هذا المناضل، فالخوف على الأمن قد يدفع الناس العاديين للوقوف ضد التحركات مهما كانت نبيلة، إذا أصبحت تهدد استقرارهم.

أعلم وأعي أنكم لا تستسيغون خطاب الأمر ولغة الخشب، خصوصا بعد أن أثبتم أنكم قوة لا يستهان بها. ولكن لكي يتحول هذا الغضب الشبابي لأبناء هذا الوطن الذي يجمعنا جميعًا إلى إنجاز حقيقي ومؤثر، عليكم تحويل طاقتكم من الانتشار اللحظي والعفوي إلى البناء المستدام وهذا يتطلب تحويل الشعارات المطلبية إلى مقترحات برامج إصلاح واقعية ومؤطرة باستغلال شبكاتكم الرقمية (ديسكورد، تيليجرام، وغيرها) والترافع عنها باستغلال جميع المداخل الدستورية والقانونية والمدنية الممكنة.

بهذا التحول، لن تتركوا مجالًا لرماد الغضب ليلتهم قضيتكم، بل ستؤسسون لتغيير منهجي وشرعي في دولة المؤسسات، يفرض نفسه بذكاء لا بقوة تخريبية، إنها معركة الذكاء السياسي لا الغضب العفوي.


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني