الرباط: كواليس
عاد ثلاثي المنصات الرقمية، المكون من بوبكر الجامعي ومحمد عبد المومني وهشام جيراندو، ليصنع حضوره من جديد داخل مواقع التواصل، عبر خطاب عالي النبرة يقوم على الهجوم المتواصل على مؤسسات الدولة دون الاستناد إلى معطيات أو وثائق.
ومع تكرار هذا الظهور، تتعزز ملامح ما يمكن تسميته بـ“العدمية الرقمية”، وهي صيغة افتراضية للمعارضة ترتكز على الصراخ أكثر مما تستند إلى مضمون سياسي واضح.
ويقوم هذا الخطاب، الذي يتقاسمه الثلاثي المذكور، على أسلوب واحد: إصدار اتهامات عامة، التضخيم، واستعمال لغة حادة تستهدف إثارة المتابعين بدل تقديم قراءة واقعية أو نقد بناء.
ورغم اختلاف خلفياتهم المهنية، فإن الجامعي وعبد المومني وجيراندو يلتقون عند نقطة واحدة: إنتاج محتوى يقوم على الرفض المطلق دون تقديم أي رؤية أو بديل أو مقترح سياسي.
متابعة هؤلاء العدميين تؤكد أن هذا النموذج من الخطاب يستهدف فئة محدودة داخل الفضاء الرقمي، عبر تبسيط النقاشات المعقدة وتحويل كل موضوع إلى مواجهة مباشرة مع مؤسسات الدولة.
ويستعين الثلاثي بالارتكاز على الانفعال وقوة الصوت لملء الفراغ الناتج عن غياب المعطيات، وهو ما يجعل هذا الأسلوب مختلفا عن المعارضة السياسية التقليدية التي تبني مواقفها على وثائق وأرقام ومسارات نقاش.
أما تكرار نفس الشعارات والانتقادات فقد أحدث حالة من “إعادة تدوير المواقف”، حيث يعيد الثلاثي إنتاج نفس الخطاب منذ سنوات دون تطوير في الحجة أو الإضافة للمشهد العمومي، مما يجعل تأثيره محدودا رغم الضجيج الذي يصنعه.
ومع اتساع النقاش العمومي حول جودة المحتوى السياسي على المنصات، يستمر هذا الثلاثي في مخاطبة المتابعين عبر خطاب سريع الاشتعال، لكنه يفتقر إلى عناصر بناء الرأي العام، إذ يغيب عنه التحليل والمقارنة وتقديم بدائل حقيقية.
وبينما تتطور مؤسسات المغرب في اتجاه إصلاحات واقعية، يبقى الخطاب العدمي أسير دائرة مغلقة من الصراخ والاتهامات، دون قدرة على تحويل هذا الضجيج إلى فعل سياسي أو تأثير اجتماعي.
ومهما ارتفع منسوب الضجيج في الفضاء الافتراضي، يظل هذا الخطاب العدمي بعيدا عن الواقع السياسي المغربي، لأن تأثيره لا يتجاوز حدود بعض الحسابات التي تبحث عن الإثارة أكثر مما تبحث عن المعلومة. فالمشهد الوطني يتحرك بإصلاحات ملموسة، ونقاش عمومي يتطور داخل المؤسسات، بينما يظل الثلاثي العدمي محصورا داخل دائرة ضيقة تعيد إنتاج نفس الشعارات ونفس الاتهامات دون قدرة على تقديم بديل.
في نهاية المطاف، يبقى الفضاء الرقمي مفتوحا للجميع، لكن الجمهور هو الحكم الأخير… والجمهور، اليوم، أصبح أكثر يقظة من أن ينخدع بخطابات تقوم على الصوت المرتفع بدل الحجة، وعلى العدمية بدل السياسة.



