لم تكن توقعاتي بخصوص نتائج تشريعيات يوم الأربعاء 23 شتنبر 2026، محصورة فقط في تراجع حزب “التجمع الوطني للأحرار” وتصدر حزب “الأصالة والمعاصرة”، خاصة بعد انضمام رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم فوزي لقجع إلى مكتبه السياسي واستقطاب مجموعة من الأعيان التي دفعها إلى تغيير لونها السياسي، لما يتميز به من مصداقية وحضور قوي في خرجاته وقدرته على التواصل الإيجابي، بل إنها امتدت أيضا إلى إمكانية خلق حزب “العدالة والتنمية” الحدث، رغم اختلاف الكثيرين مع أمينه العام ورئيس الحكومة الأسبق عبد الإله ابن كيران، الذي ساهم بشكل كبير في تدني مستوى الخطاب السياسي، من خلال مهاجمة خصومه واستفزاز مشاعر عديد المواطنين…
وكذلك كان توقعي صائبا، إذ أنه وبغض النظر عن ضعف المشاركة مقارنة مع المحطات الانتخابية السابقة، إذ أنها لم تتجاوز نسبة 38,02 بالمائة، فإنه ووفق النتائج التي أعلن عنها وزير الداخلية عبد الوفي لفتيت في وقت متأخر من صباح يوم الخميس 24 شتنبر 2026، جاء حزب “الجرار” لأول مرة منذ تأسيسه في المرتبة الأولى ب”97″ مقعدا في مجلس النواب، بإضافة 10 مقاعد على انتخابات 2021، بينما انتقل حزب “المصباح” من المرتبة الثامنة ب”13″ مقعدا في انتخابات 2021 إلى المرتبة الرابعة ب”54″ مقعدا، أي بزيادة “41” مقعدا، خلف كل من حزب “الميزان” الذي وإن حافظ على المرتبة الثالثة، تراجع عدد مقاعده من “81” مقعدا إلى “65” مقعدا بفقدان “16” مقعدا، وكان حزب “الحمامة” المتصدر لنتائج الانتخابات السابقة ب”102″ مقعد، هو الخاسر الأكبر إثر تقهقره إلى المرتبة الثانية ب”66″ مقعدا فقط بخسران “36” مقعدا.
فكيف أمكن إذن لحزب العدالة والتنمية أن يقفز مثل هذه القفزة النوعية ويعود من بعيد إلى الواجهة، بعد أن سبق له تلقي تلك الصفعة القوية التي هوت به من المرتبة الأولى ب”125″ مقعدا إلى المرتبة الثامنة ب”13″ مقعدا فقط في انتخابات 2021، حتى اعتقد الكثيرون أن مصباحه قد انطفأ إلى الأبد، ولن يعود إلى الاشتغال من جديد مهما استعمل أمينه العام من حيل؟
صحيح أنه لم يكن كثير من الناس يتصورون عودة حزب “المصباح” بهده القوة عدا ابن كيران وبعض ما تبقى من قياداته، وذلك راجع بالأساس إلى فشل سياساته العامة أثناء قيادة الحكومة لولايتين متتاليتين، دون أن يستطيع على مدى عشر سنوات من تلبية انتظارات الشعب والوفاء بوعوده في تحسين ظروف عيش المواطنين، الحد من معدلات الفقر والبطالة ومكافحة الفساد، إضافة إلى ما اتخذته حكومة ابن كيران تحديدا من قرارات جائرة أضرت بحياتهم اليومية على عدة مستويات، منها مثلا تحرير أسعار المحروقات وما ترتب عنه من غلاء الأسعار، مازال المغاربة يكتوون بنيرانها، تقليص دعم صندوق المقاصة، إقرار رفع سن التقاعد تدريجيا إلى 63 سنة والزيادة في نسبة المساهمات وتخفيض نسب احتساب المعاشات، بدعوى إصلاح صندوق التقاعد المغربي، تجميد التوظيف في الوظيفة العمومية، الاقتطاع من أجور المضربين عن العمل واعتماد نطام التعاقد في قطاع التعليم وغير ذلك كثير…
بيد أن ما لا ينبغي أن يغيب عن الأذهان هو أن حزب “المصباح” بخلاف باقي الأحزاب السياسية سواء تلك التي كانت في المعارضة أو الأغلبية ، استفاد كثيرا ليس فقط من دهاء زعيمه وأسلوبه الشعبوي وتوفره على كتلة ناخبة ثابتة ومنظمة، بل كذلك من التصويت العقابي ضد حكومة أخنوش، التي فشلت في تحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية والنهوض بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، كما فشلت في مواجهة غلاء أسعار المحروقات وانعكاسها على المواد الغذائية، ومعضلة البطالة التي ارتفعت إلى 13 بالمائة، وعجزها الصارخ عن التصدي للمضاربة والاحتكار، ومكافحة مختلف مظاهر الريع والفساد، ناهيكم عن تضارب المصالح وظاهرة “الفراقشية” الذين لهفوا ملايير الدراهم التي تم رصدها للدعم العمومي، من أجل حماية القدرة الشرائية للطبقات الفقيرة والمتوسطة، وخاصة على مستوى استيراد اللحوم وأضاحي عيد الأضحى، دون أن يعود ذلك بالإيجاب على القدرة الشرائية للأسر المغربية، حيث ظل لهيب الأسعار متواصلا في الأسواق الوطنية والمحلات التجارية…
فبحصوله على 54 مقعدا في تشريعيات 2026، يكون حزب “المصباح” قد تجاوز كبوة انتخابات 2021 واستعاد جزءا كبيرا من عافيته وإشعاعه البرلماني بعد ذلك الشحوب الذي عرفه في السنوات الخمس الماضية، وأن الفضل في ذلك يعود بالأساس إلى عدة عوامل، ومنها صبر قيادييه على الأزمة التي ألمت به منذ حادث التطبيع مع إسرائيل، من خلال توقيع أمينه العام السابق سعد الدين العثماني على الاتفاق الثلاثي، وإصرار أمينه العام الحالي ابن كيران على تحدي خصومه السياسيين وإظهار مدى قدرته على استمالة المواطنين واستقطابهم، فضلا عن تعهده بالدفاع عن القضية الفلسطينية وحق الشعب الفلسطيني في تحرير أرضه، ومناهضة كل أشكال التطبيع مع الكيان الصهيوني…
إن الأحزاب السياسية الوطنية وخاصة “الاتحاد الاشتراكي” و”التقدم والاشتراكية”، مطالبة بمراجعة سياستها واتخاذ العبرة من حزب “العدالة والتنمية” إن هي أرادت فعلا العودة بقوة إلى المشهد السياسي دون الحاجة إلى أعيان تقليديين، اعتمادا فقط على قواعد حزبية منضبطة وهياكل تنظيمية نشيطة بشكل متواصل على مدار السنة، التواصل المباشر مع المواطنين واستخدام الآليات التواصلية الحديثة قصد بناء قاعدة جماهيرية صلبة ووفية وتقديم مشروع مجتمعي واضح المعالم…
اسماعيل الحلوتي
شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني



