بقلم عبد المجيد موميروس
المنسق المرحلي للتحالف الديمقراطي الفيدرالي
قد تتبدل حلول النزاعات الإقليمية، مع سيرورة زمنها وصيرورة سياقاتها. حتى تبلغ ذروتها أو تخمد، عند بروز فرضيات إقرار السلام ولو بالقوة. وهكذا؛ فمنذ إنتخاب الرئيس دونالد ترامب، قد صار حل قضية الصحراء، أولوية جوهرية ضمن إستراتيجية الإدارة الأميركية بشمال إفريقيا. ولا بد لنا اليوم؛ من الجهر السياسي، بأن السلام المنشود بين الجزائر وبين المغرب، لن يتطلب منهما هياما متبادلا. وإنما يستلزم وعيا جمعيا حصيفا، بزمن المفاوضات والمشاورات، على أساس قرار مجلس الأمن. باعتباره الهيئة الراعية، لعملية إعادة تدوير عجلة النزاع الرائج، في ظل ظرفية دولية ملزِمة بالسلام ولو بالقوة. ذلك؛ بعد أن فشلت جوامع الوحدة المغاربية، في ترميم التآزر ونبذ القطيعة، من خلال تغليب الحوار الديبلوماسي الثنائي.
وأعتقد جازما؛ أن إستيعاب مفهوم “سلام المضطَر”، يمَكّن كل عاقل لبيب، من تفكيك شفرات إعلان وزير الخارجية الجزائري، عن مقترح الوساطة الجزائرية، بين المغرب وبين جبهة البوليساريو. ذلك؛ من حيث أن إدعاء الوزير الجزائري لعبَ دور الوسيط، يعني أولا إبطال قرار قصر المرادية، المتعلق يإعلان قطيعته الأحادية مع المغرب.
أكيد؛ أن العلاقات الجزائرية-المغربية، قد عجزت عن تدبير الصراع القديم، ولم يُسْمَح لها بإعادة شدِّ أواصر الأخوة المغاربية. حتى تَعقدت الأوضاع بين الجارين الشقيقين، وصار المجال السيادي المغاربي، مرتعًا خصبًا لشبكات أعمال عابرة للحدود، تستفيد من فوضى التغيير التي زعزعت لحمة الكثير من الأوطان.
كما أن بنود معاهدة مراكش، لم تستطع بلورة حل للخلافات الجزائرية-المغربية. ولم تفعل إمكانيات العمل المشترك، من أجل صدّ الجزائر عن الهروب إلى القطيعة الديبلوماسية. عبر فض المنازعات بين الجارين الشقيقين، بالمفاوضات السياسية المباشرة. بل؛ قد راكمنا الفشل تِلْوَ الفشل لأسباب ذاتية وموضوعية، منعت تحصيل القدر الممكن من التوافق المصلَحي بين الجانبين. هذا التوافق؛ الذي يتمخض عن الحوار الثنائي البراݣماتي، بغرض معالجة القضايا التي تخُصُّ رأب صدع المصير المشترك، وترميم تصدعات النظام الإقليمي المغاربي.
حيث؛ توقفت حركية “إتحاد المغرب العربي”، عند دورةٍ إنقِساميّة، تدل على حجم الانتكاسات على كافة الأصعدة. إلى أن أصبح السلام المنشود؛ توجها أمريكيا ضاغطا، يروم إعادة ترتيب الأوضاع بالعديد من المناطق، ومنها إقليم شمال إفريقيا. مما يتطلب بالأساس مفاوضات جزائرية-مغربية مباشرة، توقِف نزيف الخلاف المُدمر، بإسقاطاته المتعددة الأبعاد. وتمنع عن منطقة شمال إفريقيا، شرور معارك سياسية أو حروب دموية، قد تدور رحاها بالوكالة.
لكن من باب الوضوح، إسمحوا لي بتجديد التأكيد، على أن المنطقة في أمسِّ الحاجة إلى تيسير سبل الخلاص المغاربي، ولو من باب الوساطة الأمريكية الجارية. هذا الخلاص الديبلوماسي؛ الذي ينطلق وجوبا من حفظ ماء وجه الجميع، وعدم التيهان وراء سراب النصر الملغوم، بتحميل مسؤولية النكبة المغاربية لدولة دون غيرها. حيث أن الوعي بتحديات السياق الدولي، يفيد بأنه ليس بإمكان الجزائر لمفردها، مهما كانت قوتها العسكرية أو البترو-غازية. أن تدعي إمتلاك الحقيقة وتفرض رأيها، أو أن تنفرد بتقرير مصير القضايا المغاربية العالقة.
بالتالي؛ إن حديث وزير الخارجية الجزائري، عن الوساطة في ملف الصحراء، يدخل في خانة ديبلوماسية اللامعقول. لأن الوسيط الحقيقي، وجب أن يكون متصالحا مع نفسه ومع المغرب. ويمكن لنا الاستشهاد عن عدم التصالح مع ذاته، بواقعة تبرير أحمد عطاف، لتصويت الجزائر على القرار الأميركي، الذي يخص السلام بقطاع غزة. أما حديثه عن الوساطة الهلامية، فيما يخص قضية الصحراء. فليس إلّا تهربا مكشوفا من المسؤولية، ومحاولة لفرملة العداد الزمني لساعة السلام الآتية. ذلك؛ دون أن يترفع الوزير الجزائري، عن بدعة خلط الأوراق الديبلوماسية، وعن تكتيكات التملص من المسؤولية التاريخية.
إن ساعة السلام آتية إلى شمال إفريقيا، وهي ليست إختيارية، بل قائمة بالقوة الأميركية. مما يستدعي من جميع الأطراف، القبول المتبادل بحلول النزاع الحاصل بالمنطقة. مع العمل على تنزيلها، بشكل يخدم حاضر ومستقبل شعوب المنطقة. فالجزائر؛ كانت وستبقى شريكا مباشرا، في الحل السياسي لقضية الصحراء. رغم قتامة مواقف الماضي، وتَناقض تصريحات الزمن الحاضر. كما أن خطة السلام الأميركية، تشكل نقطة إرتكاز يجوز التأسيس عليها. بشرط وضوح التحول الجزائري، نحو تدشين مفاوضات مصالحة مباشرة ترصُّ الصفوف، وتساعد على تنزيل الحكم الذاتي الحقيقي بالصحراء.
بيد أن أحمد عطاف؛ قد إجتنب فضيلة النقد الذاتي، ولا يحاول التّعلم من ماضي الأخطاء. حيث؛ لم يعد مقبولا الركون إلى منطق تصدير الأزمة، وإنتظار قرار دولي قد يرهن مصير نظام المرادية. لذا؛ ودرءًا لسيناريوهات شبيهة، بما حصل في مناطق نزاع أخرى. فلا محيد للجزائر عن مصارحة شعبها، بواقع “سلام المضطر”. وسياقه الدولي البراݣماتي، الذي سيقود عاجلا أم آجلا، إلى جلوسها مع المغرب، على طاولة البيت الأبيض. قصد توقيع إتفاق سلام شامل يحقن الدماء المغاربية، ويقينا شرَّ الفوضى الإقليمية. إذ؛ لَن يزيدنا تملص الجزائر من المسؤولية، إلاَّ تَبارًا وخسارًا.
ختاما؛ إن تفكيك بدعة الوساطة الجزائرية الهلامية، التي تقترحها على المغرب، الذي تقاطعه ديبلوماسيا. يتجاوز إستنباط الأجوبة الثانوية، إلى إستقراء السرديات الكبرى. المتعلقة بشكل وطبيعة النظام المغاربي الجديد، بعيدا عن ثنائية الزعامة/ الزعامة المضادة. مما يتطلب تصحيح الفعل الديبلوماسي الحزائري، كي نستطيع تجاوز فوضى النزاعات المستدامة. التي تستنزف الجهد والمال والوقت، وتريد جعل طرف مباشر في النزاع، وسيطا بينه وبين نفسه.
عبد المجيد موميروس
المنسق المرحلي للتحالف الديمقراطي الفيدرالي







