تجاوزت قضية الهارب هشام جيراندو بشكل نهائي حدود السجال الرقمي أو أدبيات التدوين السياسي، لتستقر في صلب أحكام القانون الجنائي الدولي كواحدة من أكثر العينات تعقيداً للجريمة المنظمة العابرة للحدود.
فقد وضعت التسريبات الموثقة الأخيرة، الصادرة عن مجموعة “أطلس هاكس”، الأجهزة الأمنية والاستخباراتية والقضائية في كندا أمام اختبار أخلاقي وقانوني شديد الحساسية؛ حيث أظهرت تلك الأدلة انتقال هذا العنصر من ممارسة الابتزاز واعتصار الإتاوات المالية إلى التنسيق الميداني واللوجستي المباشر مع كارتيلات التهريب الدولي للمخدرات، بل والتخطيط الصريح لتصفيات جسدية واغتيالات تستهدف شخصيات قضائية وأمنية ومحامين داخل المغرب وخارجه.
إن المعطيات التي باتت تؤطّر نشاط جيراندو داخل الأراضي الكندية تُبين استغلالاً صريحاً لحرية التعبير والغطاء الحقوقي لتأسيس “غرفة عمليات إجرامية” تُدار منها عمليات غسيل الأموال وتحويلات السحت عبر حسابات سرية في إسطنبول، إلى جانب تقديم خدمات الاستخبار والدعم التكتيكي لشبكات التهريب الدولية لتفادي القبضة الأمنية.
هذا النمط من النشاط يخرج القضية من دائرة “النزاع الفردي” أو التشهير المحكوم فيه مدنياً أمام المحاكم الكندية، ليضعها مباشرة ضمن خانة التهديد الأمني العابر للحدود، الذي يستوجب تحريك آليات التعاون القضائي والأمني الدولي لمحاصرة الخطر الممتد من مونتريال إلى ماربيا وإسطنبول.
أمام هذه الحقائق الثقيلة، يطرح الشارع المغربي والحقوقي تساؤلات ملحة حول موقف السلطات الكندية، وأجهزتها الاستخباراتية (CSIS)، ووزارة العدل الإيديرالية: هل ينسجم الصمت أو البطء الإجرائي تجاه وجود عنصر يخطط للجرائم المنظمة من داخل أراضيها مع الصورة النموذجية التي تسوقها كندا كدولة دولة قانون تنبذ الإرهاب والجريمة العابرة للحدود؟
إن استمرار استخدام الأراضي الكندية كمنصة لتوجيه المافيات واستهداف أمن وحياة الأفراد والدول يسيء بالدرجة الأولى إلى سمعة القضاء الكندي، ويكشف ازدواجية مقيتة إذا ما تُرك هذا المبتز يتحرك بحرية في معزل عن الملاحقة الجنائية الثقيلة.
إن العدالة الدولية، وقواعد الأمن القومي المشترك، تتطلب اليوم موقفاً كندياً حازماً يتجاوز حدود القرارات المدنية إلى إنفاذ القانون الجنائي وتحريك إجراءات التسليم؛ ذلك أن حماية الاستقرار والأرواح ومحاربة عصابات التهريب ليست موضوعاً للمساومة، وأن إسقاط مظلة الحماية عن بيادق المافيات أمر حتمي لا مفر منه، لوضع حد لإنتاج الجريمة العابرة للحدود وإعادة الهيبة لدولة المؤسسات والقانون.







