كواليس اليوم – الرباط
أحيانا، لا تكون أخطر الأخبار الكاذبة هي تلك التي لا تحتوي على أي حقيقة، وإنما تلك التي تبدأ بحقيقة صغيرة، ثم يجري إخراجها من سياقها، وإعادة تركيبها، وإغراقها بمواد مزيفة، قبل تقديمها للرأي العام على أنها «فضيحة» مكتملة الأركان.
وهذا بالضبط ما يجعل الضجة التي رافقت خلال الأيام الأخيرة ما سمي بـ«اختراق الأمن المغربي» واستيلاء جهات مجهولة على بيانات عشرات الآلاف من موظفي الأمن، تستحق قراءة مختلفة عن مجرد النفي أو التأكيد.
فالمؤسسة الأمنية المغربية لم تكتف هذه المرة بالقول إن ما يروج كذب. بل قدمت، في بلاغ رسمي، رواية مضادة تقوم على عناصر تقنية محددة: الأنظمة المعلوماتية الأمنية لم تتعرض لأي اختراق، والبيانات التي تم تداولها ليست مستخرجة من قواعد البيانات الأمنية، وإنما هي بيانات قديمة كانت موجودة لدى شركات تأمين وهيئات للتغطية الصحية والاجتماعية.
وهنا يبدأ السؤال الحقيقي.
إذا كانت البيانات موجودة أصلا خارج المنظومة الأمنية، فكيف تحولت فجأة إلى «دليل» على اختراق الأمن المغربي؟
هذه ليست مسألة لغوية.
إنها جوهر القضية.
لأن الفرق بين «العثور على بيانات موظف أمني» و«اختراق قاعدة بيانات أمنية» فرق هائل من الناحية التقنية والأمنية والقانونية.
موظف الأمن، مثل أي موظف، قد تكون له بيانات لدى مؤسسات تأمين أو هيئات اجتماعية أو صحية أو إدارية مختلفة. وجود هذه البيانات لدى طرف ثالث لا يعني أن ذلك الطرف يمثل قاعدة بيانات الأمن الوطني، ولا يعني أن الوصول إليها تم عبر اختراق الأنظمة الأمنية.
لكن ما يبدو أن رواية «الاختراق» قامت على تجاوز هذه الحقيقة البسيطة، عبر إعادة تجميع معطيات قديمة وإلباسها سياقا أمنيا مختلفا.
وهنا تصبح المسألة أكثر إثارة للاهتمام.
من الذي جمع هذه البيانات؟ ومن الذي ربط بينها؟ ومن الذي قرر تقديمها للرأي العام على أنها حصيلة اختراق أمني؟
هذه الأسئلة أهم بكثير من الرقم الذي جرى تداوله.
لأن الرقم الكبير، في عالم وسائل التواصل الاجتماعي، يؤدي وظيفة نفسية قبل أن يؤدي وظيفة معلوماتية.
حين يقال إن «70 ألف شرطي مغربي تم تسريب بياناتهم»، فإن وقع العبارة وحده قد يكون كافيا لإحداث الصدمة، حتى قبل أن يسأل القارئ: من أين جاءت هذه البيانات؟ وهل هي حديثة؟ وهل هي فعلا من قواعد بيانات الأمن؟ وهل هناك أي دليل تقني يثبت اختراقا؟
وهنا تكمن قوة التضليل الرقمي.
ليس ضروريا أن تكون كل قطعة في الملف مزيفة حتى تكون الرواية كلها مضللة.
قد تكون هناك بيانات حقيقية، لكن قديمة.
وقد تكون هناك أسماء حقيقية.
وقد تكون هناك معلومات شخصية حقيقية.
لكن عندما توضع هذه العناصر داخل سياق غير صحيح، فإن النتيجة النهائية تصبح رواية كاذبة، رغم أن بعض مكوناتها أصلية.
وهذا بالضبط ما يجعل التحقق من المصدر أهم من التحقق من وجود البيانات نفسها.
الأكثر دلالة أن البلاغ الأمني لم يتحدث فقط عن بيانات قديمة، وإنما كشف أيضا عن صور فوتوغرافية مفبركة ووثائق مشوبة بالتحريف والتزوير، جرى تقديمها باعتبارها صورا ووثائق تخص موظفين ومصالح أمنية مغربية.
وهنا تنتقل القضية إلى مستوى آخر.
لأننا لم نعد أمام شخص حصل على ملف ثم نشره.
نحن أمام احتمال وجود عملية تركيب لمحتوى: بيانات من مصدر، صور من مصدر آخر أو مصطنعة، وثائق مزورة، ثم رواية إعلامية تربط كل ذلك ببعضه لتقول للجمهور: «لقد تم اختراق الأمن المغربي».
لكن حتى الوثائق المزورة، بحسب ما أشار إليه البلاغ، لم تكن متقنة بما يكفي.
أزياء نظامية لا وجود لها في المغرب.
رتب عسكرية غير معمول بها داخل جهاز الأمن الوطني.
هويات بصرية خاطئة.
وأخطاء لغوية واضحة.
وهذه التفاصيل، لمن يعرف طبيعة الوثائق الرسمية، ليست هامشية.
فالوثيقة الأمنية الحقيقية ليست مجرد ورقة تحمل شعارا أو اسما رسميا.
لها هوية بصرية، وصياغة، ومصطلحات، وتراتبية، وطرق تحرير، وتفاصيل دقيقة.
ومن هنا، فإن إدخال وثائق مزورة إلى قصة التسريب قد يكون الغرض منه تحديدا إعطاء الرواية مظهرا ماديا يوهم المتلقي بأن وراءها اختراقا حقيقيا.
لكن المفارقة أن هذه الوثائق نفسها يمكن أن تتحول إلى دليل ضد الرواية التي يراد لها أن تخدمها.
فإذا كانت الوثيقة تحتوي على رتبة غير موجودة، أو زيا لا تستعمله المؤسسة، أو أخطاء في اسم الجهاز أو هويته البصرية، فإن السؤال الطبيعي يصبح:
من صنع هذه الوثيقة؟
ولماذا؟
ولصالح أي رواية؟
ثم هناك الجانب التقني الذي لا يقل أهمية.
قطب المديرية العامة للأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني أكد أن نظم المعطيات الأمنية لا تتصل أساسا بالشبكات المفتوحة على الإنترنت.
وهذه المعلومة تحديدا يجب أن تقرأ بعيدا عن التهويل.
فالهجمات الإلكترونية الحديثة لا تُثبت بمجرد نشر ملف على تلغرام أو منصة اجتماعية. الاختراق الحقيقي يترك آثارا تقنية يمكن تحليلها: مصدر الدخول، طبيعة النظام المستهدف، مسار البيانات، الملفات المستخرجة، سجلات الولوج وغيرها من المؤشرات التي يمكن للخبراء الجنائيين الرقميين فحصها.
أما أن تظهر بيانات شخصية على الإنترنت، فهذا لا يكفي وحده لإثبات أن قاعدة البيانات التي كانت تحتويها قد اخترقت.
وهذا هو الخطأ الذي يبدو أن كثيرا من المتابعين وقعوا فيه خلال الأيام الماضية.
لقد تم التعامل مع النتيجة المزعومة باعتبارها دليلا على مصدرها.
وهذا منطق مقلوب.
أن تجد بيانات رجل أمن على الإنترنت لا يعني أنك اخترقت الأمن الوطني.
مثلما أن العثور على صورة بطاقة بنكية على الإنترنت لا يعني بالضرورة أن البنك الذي أصدرها قد اخترق.
السؤال دائما هو: من أين خرجت المعلومة؟
وهذا السؤال، في قضية كهذه، ليس تفصيلا تقنيا، بل هو قلب التحقيق.
ولذلك فإن إعلان قطب DGSN-DGST استمرار الأبحاث والتحريات تحت إشراف النيابة العامة يكتسي أهمية بالغة.
فالمؤسسة لم تتعامل مع المسألة باعتبارها مجرد إشاعة تستوجب النفي، وإنما أحالت الجانب المتعلق بالفبركة وإعداد المحتويات الزائفة ونشرها إلى المسار الأمني والقضائي.
وهنا يمكن أن تظهر الحقيقة الأكثر أهمية.
قد لا يكون السؤال في النهاية: «هل اخترقوا الأمن المغربي؟».
بل قد يصبح السؤال:
من حاول إقناع المغاربة بأن الأمن المغربي اخترق؟
وهذا سؤال مختلف تماما.
لأن صناعة الخوف حول مؤسسة أمنية لا تحتاج دائما إلى اختراق حقيقي لأنظمتها.
يكفي أحيانا أن تنجح في إقناع الجمهور بأن الاختراق وقع.
وهنا تصبح الحرب على الثقة أخطر من الحرب على البيانات.
فالمؤسسة الأمنية هي إحدى أكثر مؤسسات الدولة حساسية، وأي ادعاء بأن قواعد بياناتها سقطت يمكن أن يخلق انطباعا بأن أسرار الموظفين وأمنهم الشخصي ومعلوماتهم المهنية أصبحت مكشوفة.
وإذا أضيف إلى ذلك نشر أرقام ضخمة وصور ووثائق، فإن التأثير النفسي يصبح أكبر بكثير.
هذه هي طبيعة حرب الإدراك في العصر الرقمي.
أنت لا تحتاج دائما إلى تدمير الهدف.
أحيانا يكفي أن تجعل الناس يعتقدون أنه تم تدميره.
ومن هنا، فإن مواجهة هذه الحملات لا تكون فقط بالنفي، وإنما بكشف طريقة اشتغال الرواية نفسها.
بيانات قديمة.
مصادر غير أمنية.
صور مفبركة.
وثائق محرفة.
أرقام ضخمة.
ثم عنوان واحد صادم: «اختراق الأمن المغربي وتسريب بيانات عشرات الآلاف من الشرطيين».
هذه ليست بالضرورة عملية اختراق.
قد تكون عملية صناعة قصة عن الاختراق.
والفرق بين الاثنين جوهري.
والأهم أن المغرب، في هذه القضية، لم يقدم نفيا سياسيا أو إعلاميا فقط، وإنما قدم تفسيرا لمصدر البيانات، وحدد طبيعة المحتويات المزيفة، وأوضح جانبا من البنية المعلوماتية للمنظومة الأمنية، ثم أعلن استمرار البحث القضائي.
وهذا يجعل المرحلة المقبلة أكثر أهمية.
لأن التحقيق، إذا تمكن من تحديد مصدر البيانات والمسار الذي سلكته قبل نشرها، قد يكشف ما إذا كان الأمر مجرد إعادة تدوير لمعلومات قديمة، أم أن هناك عملية منظمة لجمعها وتصنيفها وإعادة تقديمها ضمن سردية مضللة.
كما أن تحديد الأشخاص الذين قاموا بفبركة الصور والوثائق، أو ساهموا في نشرها، قد يكشف بدوره طبيعة الشبكة التي تقف خلف العملية.
وهنا ينبغي على الرأي العام أن ينتظر نتائج التحقيق، لا أن يصبح جزءا من التحقيق دون أن يشعر.
فإعادة نشر الادعاء عشرات آلاف المرات لا تجعله حقيقة.
وتكرار رقم «70 ألفا» لا يثبت أن 70 ألفا من عناصر الأمن تعرضت بياناتهم للاختراق.
وصورة رجل يرتدي زيا لا وجود له في المغرب لا تثبت أنه شرطي مغربي.
ووثيقة تحمل شعارا رسميا لا تصبح وثيقة رسمية بمجرد وضع الشعار عليها.
الدليل هو المصدر، والسياق، والبصمة التقنية، وليس عدد المشاهدات.
وهذه ربما تكون أهم رسالة في هذه القضية.
المغرب اليوم، مثل باقي الدول، يخوض معركة جديدة لا تدور فقط حول حماية الشبكات، وإنما حول حماية الحقيقة نفسها من التلاعب.
فإذا كان اختراق الأنظمة خطرا، فإن اختراق وعي الناس بالمعلومة قد يكون أكثر خطورة.
ولهذا فإن الرد الأكثر فعالية على هذه الحملة ليس الغضب ولا الانفعال ولا الدخول في سجال مع الحسابات التي تروج لها.
الرد هو: تحققوا، حللوا، اسألوا عن المصدر، وانتظروا التحقيق.
أما ما ستكشفه الأبحاث الجارية، فهو وحده القادر على تحديد من يقف وراء هذه العملية، ومن أين حصل على المعطيات، وكيف جرى تركيبها وتقديمها للرأي العام.
إلى ذلك الحين، هناك حقيقة واحدة ثابتة ومعلنة رسميا:
المنظومة الأمنية المغربية تقول إنها لم تتعرض للاختراق، وأن البيانات المتداولة مصدرها أنظمة خارجية وقديمة، وأن جزءا من الصور والوثائق المتداولة مفبرك أو محرف.
وبالتالي، فإن المعركة الحقيقية لم تعد مع «هاكر» مزعوم اخترق الأمن المغربي.
بل مع رواية تحاول إقناع المغاربة بأن الاختراق حدث، قبل أن تقدم الدليل على أنه حدث أصلا.
وهنا، تحديدا، ينبغي أن يبدأ التحقيق الحقيقي.







