بقلم : ذ. محمد بوفتاس / المغرب
منذ اندلاع أحداث السابع من أكتوبر، بدت غزة وكأنها تدخل أخطر اختبار في تاريخها السياسي والإنساني. فالمغامرة التي بدأت بعملية عسكرية، تحولت خلال أيام قليلة إلى حرب شاملة لم تبقِ شيئاً على حاله: أحياء دُمرت بالكامل، عائلات شُتّتت، أراضٍ أُخليت قسراً، ومجتمعٌ كامل أصبح يعيش على حافة الفناء. وبينما انشغل العالم بمتابعة الوقائع الميدانية، كانت إسرائيل تتحرك في اتجاه آخر أكثر عمقاً: إعادة رسم الخريطة الفلسطينية، سياسياً وجغرافياً، عبر استغلال كل نقاط الضعف الممكنة داخل الصف الفلسطيني نفسه.
لقد كان الخلاف الفلسطيني ـ الفلسطيني مادة جاهزة لطموحات إسرائيل منذ سنوات بعيدة. الانقسام بين غزة والضفة، بين السلطة وحماس، بين مشروعين مختلفين في الرؤية والممارسة، تحوّل إلى فرصة ذهبية فتحت أمام إسرائيل باباً واسعاً للعب من وراء الستار. لم تكن تحتاج إلى اختراع الشرخ، فقد كان موجوداً؛ كل ما احتاجته هو تضخيمه، تغذيته، واستعماله في اللحظة المناسبة. ومع مرور الوقت، صار الانقسام ورقة استراتيجية في يد المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، تُستخدم حيناً للضغط، وحيناً لخلق واقع ميداني يخدم أهدافاً بعيدة المدى.
عندما وقع حدث السابع من أكتوبر، بدا واضحاً أن إسرائيل لم تتعامل معه باعتباره صدمة صاعقة، بل باعتباره لحظة حاسمة يمكن توظيفها إلى أقصى حد. حجم الرد العسكري الإسرائيلي، سرعته، طبيعته، والأهداف التي تبنّتها الحكومة الإسرائيلية منذ الأيام الأولى كلها تشير إلى أن الخطة لم تُكتب في صباح ذلك اليوم، بل كانت جاهزة منذ وقت طويل، تنتظر فقط الشرارة المناسبة. هل كانت إسرائيل تتوقع ما حدث؟ ربما. هل تركته يحدث لأنها تعلم أنه سيمنحها مبرراً لشنّ حرب واسعة؟ هذا احتمال يتداوله الكثير من الخبراء الغربيين اليوم. أما فكرة أن تكون إسرائيل قد ساهمت بشكل مباشر أو غير مباشر في دفع الأمور نحو الانفجار، فهي فرضية لا يمكن الجزم بها، لكنها بالتأكيد ليست مستحيلة في منطق الصراعات المعقدة.
وما يجعل هذه الفرضية قابلة للنقاش هو أن إسرائيل كانت الطرف الأكثر استفادة من مغامرة أكتوبر. فقد تمكنت من ضرب غزة بطريقة غير مسبوقة، وحققت أهدافاً كانت عاجزة عن تحقيقها خلال خمسة عشر عاماً من الحصار والقصف المتقطع. الأحياء السكنية دمرت، البنية العسكرية لحماس استُنزفت، والقطاع كله أعيد تشكيله بتفكيك ديمغرافي واضح. الأهم أن إسرائيل نجحت في تحويل الانقسام الفلسطيني من خلاف سياسي إلى واقع جغرافي يصعب إصلاحه: غزة معزولة، والضفة تحت سيطرة خانقة، والقيادة الفلسطينية في أضعف حالاتها، بينما إسرائيل تتقدم خطوة خطوة نحو إعادة هندسة الوضع لصالحها.
لكن السؤال الأهم يبقى: ماذا كسب الفلسطينيون من كل هذا؟ غزة خسرت أرواحاً بلا عدد، وخسرت بيوتاً، وخسرت الأرض التي بقيت لها، وخسرت حتى معنى الحياة اليومية. أصبحت المدينة التي واجهت الاحتلال بعناد تتحول إلى مساحة مدمرة لا تصلح للعيش. الفلسطينيون في الضفة والشتات اكتسبوا تعاطفاً دولياً واسعاً، لكن التعاطف لا يبني وطناً ولا يوقف حرباً. أما حركة حماس، فقد ربحت حضوراً رمزياً عند جزء من الرأي العام، لكنها خسرت قدرتها على حماية المجتمع الذي تحكمه، وخسرت أهم ورقة كانت تملكها: الأرض.
على الجانب الآخر، ربحت فلسطين كقضية عودة قوية إلى الواجهة، لكن هذا الربح الرمزي يظل هشاً إذا لم يتحول إلى مكسب سياسي حقيقي. فالقضية اليوم تتصدر العالم، لكنها على الأرض تتعرض لأسوأ عملية تفكيك منذ النكبة.
إسرائيل وحدها كانت الرابح الأكبر. لقد استغلت الانقسام الفلسطيني حتى النهاية، حرّكت ملفاته بما يخدم رؤيتها، واستثمرت في مغامرة أكتوبر بطريقة حولت الحادثة إلى فرصة، والفرصة إلى مشروع، والمشروع إلى واقع. وإن كان حدث السابع من أكتوبر قد وقع بأيدٍ فلسطينية، فإن استثماره كان إسرائيلياً بامتياز؛ وإن كانت العملية مغامرة فلسطينية، فقد تحولت لخدمة خطة إسرائيلية ربما كانت مطبوخة منذ سنوات.
اليوم، يبدو السؤال ملحاً: هل كانت غزة ضحية حرب غير متكافئة فقط، أم كانت أيضاً ضحية لعبة أكبر شارك فيها الانقسام الداخلي بقوة؟ وهل كانت أحداث أكتوبر لحظة انفجار عفوية، أم كانت المفتاح الذي احتاجته إسرائيل لتفتح أبواب مشروعها القديم؟ هذه أسئلة لن يُجيب عنها الزمن سريعاً، لكنها تظل ضرورية لفهم ما جرى، هل كان خطأً في الحسابات، أم سقوطاً في فخّ، أم ثمرة تلاعب طويل اشتغلت عليه إسرائيل بصبرٍ ومكرٍ، حتى نضجت لحظته الكاملة.



