برعلا زكريا
قدم عبد الله البقالي في خرجته الأخيرة أقوى وثيقة إدانة لتيار الشعبوية من حيث أراد الدفاع عنه، فاعترافاته الصريحة نسفت مصداقية حميد المهداوي وكشفت من حيث لا يدري أن الحربائية المقيتة التي ينهجها هذا الأخير وتناقضاته الفجة هي السبب المباشر في توتر ملفه داخل مؤسسة المجلس الوطني للصحافة وليس المؤامرات المزعومة التي يروج لها.
تكشف واقعة الهجوم العلني والاعتذار السري التي سردها البقالي بلسانه عن البنية النفسية والمهنية المختلة لظاهرة المهداوي فالرجل يمارس جلد الخصوم أمام الكاميرا لإشباع نهم الجمهور المتعطش للإثارة ثم يهرول خلف الكواليس لطلب الصفح في سلوك انتهازي يسقط عنه صفة الصحفي المبدئي، وما عمق هذا السقوط هو تصريح البقالي الواضح بعدم اتفاقه مع مضمون ما يقدمه المهداوي، وهو ما يشكل تزكية مباشرة لوجاهة القرارات المتخذة ضده في لجنة الأخلاقيات ويدعم طرح الأصوات من داخل الهيئات التنظيمية بأننا أمام حالة تجارية محضة لا علاقة لها بأخلاقيات المهنة وتستوجب الحزم القانوني لا التضامن العاطفي.
من جهة أخرى يشكل إقرار البقالي بتلقيه طلبا للوساطة من دفاع أحد المعتقلين في قضايا جنائية ثقيلة المنعطف الأكثر إثارة في هذه المكاشفة وهو ما يضعنا أمام استنتاج منطقي مفاده أن البريء يقرع باب القضاء بالحجج الدامغة أما من يطرق أبواب الوساطات السياسية فهو يقر ضمنا بضعف موقفه القانوني وعجزه عن دحض الأدلة الجنائية لتسقط بذلك آخر الأقنعة عن ملفات أريد لها أن تكون قضايا رأي عام ومظلومية سياسية بينما هي في جوهرها جنايات حق عام بحث أصحابها عن مخارج في الغرف المظلمة بعدما حاصرتهم الحقيقة في ردهات المحاكم.
ما يحدث اليوم في المشهد الصحفي بالمغرب ليس مجرد سجال عابر بل هو فرصة لإعادة ترتيب المفاهيم فمهنة الصحافة بقدسيتها وتعقيداتها التشريعية أكبر من أن تختزل في بودكاست يستجدي المشاهدات وأعرق من أن تدار بمنطق الحلقة والعواطف الجياشة وتهافت التهافت، بل إن مكان التداول في شؤون السلطة الرابعة هو المؤسسات الدستورية والهيئات المهنية حيث يحتكم العقلاء إلى برودة القانون وقوة المنطق وفلسفة التشريع لا إلى المنصات الافتراضية التي حولت النقاش العمومي إلى ضجيج شعبوي لا ينتج وعيا ولا يحمي حقا بل يغرق الحقيقة في طوفان من التفاهة التي آن الأوان للقطع معها انتصارا لهيبة المجال وحرمة المؤسسات.







