كيف باعت حماس قطاع غزة

 

بقلم: ذ. محمد بوفتاس
منذ الانتداب البريطاني الذي وُضع له إطار قانوني وسياسي واضح، لم تعرف فلسطين شكلًا واحدًا من أشكال السيطرة، بل أشكالًا متعددة تتغير أسماؤها وتبقى وظائفها واحدة: نزع القرار من الفلسطيني، وإدارة قضيته بدل تمكينه منها. غير أن أخطر هذه الأشكال لم يأتِ من الخارج فقط، بل تَشكّل هذه المرة من الداخل، عبر سلطة رفعت شعار المقاومة، لكنها انتهت عمليًا إلى تفكيك آخر ما تبقى من الحلم الفلسطيني في غزة.
لم تُبع غزة في مزاد علني، ولم تُوقَّع وثيقة رسمية تنقل السيادة إلى جهة دولية، لكن البيع في السياسة لا يحتاج إلى أوراق، بل إلى نتائج. وحين نقرأ ما آلت إليه غزة اليوم، لا بوصفها أرضًا مدمّرة فقط، بل ككيان منزوع الإرادة، مفصول عن سياقه الوطني، ومطروح على الطاولة الدولية كـ«مشكلة إنسانية»، ندرك أن البيع تمّ بالفعل، ولو بلا إعلان.
حماس لم ترث غزة كمشروع تحرر، بل كغنيمة سلطة. ومنذ سيطرتها على القطاع، لم تُدره باعتباره أرضًا محتلة تحتاج إلى إدارة عقلانية تحمي الإنسان قبل السلاح، بل كمساحة مغلقة تُدار بمنطق التنظيم، لا بمنطق المجتمع. أُلغيت السياسة لصالح التعبئة، وأُلغيت المحاسبة لصالح القداسة، وتحولت المقاومة من وسيلة إلى غاية قائمة بذاتها، حتى لو التهمت كل ما حولها.
السلطة التي لا ترى في شعبها إلا وقودًا، لا يمكن أن تقود تحررًا. وحماس، بدل أن تبني بنية مدنية قادرة على الصمود، بنت خطابًا قادرًا على تبرير الخراب. لم يكن السؤال يومًا: كيف نحمي غزة؟ بل: كيف نُدير الصراع؟ والفرق بين السؤالين هو الفرق بين وطن وفصيل. الصواريخ كانت أهم من المستشفيات، والأنفاق أولى من المدارس، والنتيجة أن القطاع دخل كل مواجهة أعزل إلا من الشعارات.
إسرائيل، التي طالما اعتبرت غزة عبئًا ديمغرافيًا وأمنيًا، وجدت في هذا النموذج فرصة ذهبية. فغزة التي تُحكم بلا أفق سياسي، وتُستدرج دوريًا إلى مواجهات غير متكافئة، تتحول مع الوقت إلى عبء أخلاقي على العالم، لا إلى قضية تحرر. وهنا، لم تعد إسرائيل بحاجة إلى احتلال مباشر، لأن الخراب يؤدي المهمة عنها بكفاءة أعلى.
السؤال الذي يتجنب كثيرون طرحه هو: هل كانت إسرائيل تجهل ما تخطط له حماس؟ في عالم الاستخبارات، السذاجة ليست تفسيرًا مقنعًا. الأرجح أن تل أبيب قرأت المسار، وتركته يتضخم، لأنها تعرف أن لحظة الانفجار الكبرى ستمنحها ما لم تمنحه لها سنوات الحصار: شرعية تدمير شامل، وإعادة تعريف غزة خارج سياق فلسطين.
وحين سقطت المدن، وتفكك المجتمع، وانهارت كل مقومات الحياة، لم يعد النقاش يدور حول الاحتلال، بل حول الإغاثة. لم يعد السؤال: كيف نحرر غزة؟ بل: من يديرها؟ وهنا تحديدًا، انتقلنا من منطق التحرر إلى منطق الانتداب. الانتداب الجديد لا يأتي بجنود بريطانيين، بل بخبراء دوليين، ولا يرفع علمًا أجنبيًا، بل شعار «حماية المدنيين».
حماس، وهي تسلّم قطاعًا مدمّرًا بلا مؤسسات حقيقية، بلا شرعية وطنية جامعة، وبلا قدرة على اتخاذ قرار سيادي، تكون قد قامت بالفعل الأخطر: نزعت عن غزة أهلية الحكم الذاتي، وقدّمتها للعالم بوصفها أرضًا فاشلة تحتاج إلى وصاية. وهذا هو جوهر البيع السياسي: أن تُفرغ الأرض من قدرتها على الرفض، ثم تترك الآخرين يملأون الفراغ.
المدافعون عن حماس يختبئون خلف النوايا، لكن التاريخ لا يُحاسب بالنوايا بل بالنتائج. والنتيجة واضحة: غزة اليوم أقرب إلى أن تكون كيانًا دوليًا مُدارًا، منها إلى جزء من مشروع وطني فلسطيني. إسرائيل خرجت من المشهد كقوة احتلال مباشرة، والعالم يستعد للدخول كقوة إدارة، والفلسطيني يُستبعد مرة أخرى من تقرير مصيره.
ما جرى ليس خطأ تكتيكيًا، بل فشل استراتيجي كامل. فالمقاومة التي لا تُخضع نفسها للمساءلة تتحول إلى سلطة تدمير ذاتي. وحين تُختزل فلسطين في غزة، ثم تُدمَّر غزة، يكون الحلم الفلسطيني قد تلقى ضربة ربما أخطر من النكبة الأولى، لأنها هذه المرة ضربة من الداخل.
غزة لم تُدمَّر فقط بالقنابل، بل بالأوهام. وهم القوة، وهم القدرة على فرض المعادلات، وهم أن العالم سيقف مع من يرفع السلاح ولو على حساب شعبه. والحقيقة القاسية أن العالم لا يحترم إلا من يحمي شعبه، لا من يقدمه قربانًا.
إن أخطر ما في اللحظة الراهنة ليس حجم الدمار، بل محاولات تطبيعه، وتسويقه كقدر لا مفر منه. فإذا لم تُفتح مراجعة فلسطينية شاملة، لا تستثني حماس ولا تقدّسها، فإن الانتداب القادم لن يكون مؤقتًا، بل فصلًا جديدًا من فصول تصفية القضية الفلسطينية، هذه المرة باسم إنقاذ غزة.
غزة لم تعد تحتاج إلى من يتحدث باسمها، بل إلى من يعترف بما جرى لها. والاعتراف الأول، والأصعب، هو أن ما حدث لم يكن حتميًا، بل صُنع قرارًا بعد قرار، حتى وصلنا إلى لحظة البيع الكامل، حيث لم يعد القطاع ملكًا لأهله، ولا حتى لعدوه، بل سلعة في بازار السياسة الدولية.


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني