بين مطرقة الفيضانات وسندان التحدي.. كيف رسمت السلطات والأمن الوطني ملحمة “الخروج الآمن” وعودة الحياة إلى الغرب والشمال؟

لم تكن الفيضانات والتقلبات الجوية الاستثنائية التي ضربت أقاليم القنيطرة، سيدي قاسم، والعرائش مجرد اختبار للطبيعة، بل كانت امتحانا عسيرا لقياس مدى جاهزية “آلة الدولة” وقدرتها على التدخل في اللحظات الحرجة، وهو الامتحان الذي اجتازته السلطات الترابية والأجهزة الأمنية بامتياز ندر نظيره.

فمنذ اللحظات الأولى لارتفاع منسوب المياه، لم تكن التحركات مجرد ردود أفعال عفوية، بل كانت تنفيذا دقيقا لـ “عقيدة أمنية وترابية” تضع سلامة المواطن فوق كل اعتبار؛ حيث تحولت جماعات مثل الحوافات، والمكرن، وسيدي علال التازي، والقصر الكبير إلى خلية نحل لا تهدأ، قادها رجال السلطة المحلية وعناصر الأمن الوطني والقوات المساعدة والوقاية المدنية، الذين استبدلوا مكاتبهم بالميدان، وخاضوا غمار المياه لإنقاذ الأرواح وإجلاء الآلاف في وقت قياسي، وبصورة تعكس نضجا كبيرا في تدبير الأزمات الكبرى.

إن الدور الذي لعبه الأمن الوطني في هذه الأزمة تجاوز المفهوم التقليدي لحفظ النظام، ليتحول إلى “أمن إنساني” بامتياز؛ فالعناصر الأمنية التي انتشرت في مداخل المدن المتضررة وعلى محاور الطرق المقطوعة، لم تكن هناك فقط لتنظيم السير، بل كانت تشكل صمام أمان يمنع وقوع الكوارث، ويؤمن ممتلكات الأسر التي غادرت منازلها قسرا، ويشرف على أدق تفاصيل “مخطط العودة” الذي انطلق يوم الأحد 15 فبراير.

هذا المخطط لم يكن ليُكتب له النجاح لولا تلك الهندسة اللوجستية التي وضعتها عمالات الأقاليم بتنسيق مع المديرية العامة للأمن الوطني، حيث تم توفير مسارات آمنة، ونقاط مراقبة دقيقة، ووسائل نقل جندت خصيصاً لضمان وصول كل مواطن إلى بيته بكرامة ودون ارتباك، وهو ما قطع الطريق على المتربصين وهواة الصيد في المياه العكرة الذين يراهنون دائماً على الفوضى.

ولم تتوقف هذه الملحمة عند حدود الإجلاء والعودة، بل امتدت لتشمل “أنسنة التدخل” من خلال توزيع المساعدات الغذائية والمواكبة الطبية والنفسية للعائدين، في مشهد يكرس مفهوم “الدولة الراعية” التي لا تترك أبناءها في مهب الريح.

إن تلاحم السلطات المحلية مع القوات الأمنية في القصر الكبير وسيدي قاسم والقنيطرة، قدم للعالم نموذجاً مغربياً خالصاً في إدارة الكوارث، نموذجاً يزاوج بين الصرامة في إنفاذ القانون وبين المرونة في التعامل مع الحالات الإنسانية.

فبينما كانت الفرق التقنية تسابق الزمن لتطهير المسالك وإعادة التيار الكهربائي والماء الشروب، كان رجال الأمن والسلطة يشكلون “الحزام المنيع” الذي يحيط بالساكنة، ويبث في نفوسهم الطمأنينة بأن الدولة حاضرة، وأن “العودة إلى الحياة الطبيعية” ليست مجرد شعار، بل هي واقع ملموس صاغته سواعد الرجال الذين آثروا نداء الواجب على الراحة، ليثبت المغرب مرة أخرى أنه بجيشه الأمني والترابي، قادر على تحويل الأزمات إلى محطات لتجديد العقد الاجتماعي المتين بين العرش والشعب ومؤسسات الدولة.


تعليقات الزوار
  1. @احمد

    صراحة ما عرفت واش قريت مقال صحفي ولا بيان نصر بعد معركة تاريخية
    الفيضانات ولات “ملحمة”، والتدخل ولى “عقيدة”، والطرق ولات “حزام منيع”، وباقي غير يهبطوا الجنرالات بالخيول البيضاء.

    ماشي المشكل نشيدو بأي مجهود تقوم به السلطات، بالعكس، هاد الشي واجب.
    ولكن منين كلشي كيكون مثالي، وكلشي “بامتياز ندر نظيره”، هنا خاصنا نسولو: فين الأرقام؟ فين الاختلالات؟ فين صوت الناس اللي تضررات؟

    الصحافة ماشي مهمتها تكتب رواية بطولية، مهمتها تقول شنو وقع… بالزين ديالو وبالخايب ديالو.
    إلى كانت الدولة فعلاً قوية، راه ما كتحتاجش نصوص ملحمية باش تثبت حضورها، يكفي الواقع يتكلم.

    أما تحويل كل تدخل إداري عادي إلى “تجديد للعقد الاجتماعي” فهاد الشي فعلاً إنجاز… لكن إنجاز بلاغي أكثر منه صحفي

شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني