محمد عزت الشريف
المقدمة: السيطرة خارج ميدان المعركة
لم تعد الهيمنة المعاصرة مجرد قوة قمعية أو تفوق مادي، بل منظومة تصميم دقيقة تُدير وعي الفشل السياسي، وتعيد تدويره كحالة طبيعية داخل تبريرات إجرائية وخطابات محايدة. لم يعد السؤال: من ارتكب الفعل؟ بل: كيف أُعيد تعريفه لغويًا وإداريًا بحيث لا يُرى كجريمة تستوجب المساءلة، بل كمعطى تقني منزوع الصدمة الأخلاقية.
تعريفات إجرائية
الهندسة: تقنية القالب؛ صبّ الواقع، ماديًا ورمزيًا، في أطر مصمتة سلفًا تنتزع عنه سيولته وقدرته على المقاومة.
تخدير المساءلة: آليات رمزية وزمنية تُبرّد الحدث عبر تأجيل الحكم، أو إعادة توصيفه بلغة تقنية تُفرغه من أثره الأخلاقي والقانوني.
الفعل الجُرمي: ممارسة سلطوية تُنتهك فيها القواعد، ويُعاد توصيفها إجرائيًا لإجهاض المساءلة.
أولًا: من القمع إلى الإقناع – الأسس الفكرية
تستند الهيمنة المعاصرة إلى تقاطع ثلاثي بين فوكو (إنتاج الحقيقة)، وليفيفر (إنتاج الفضاء لتعطيل الفعل الجمعي)، وإدوارد سعيد (الهندسة الرمزية للخطاب). في هذا التقاطع، لا يُدار الصراع بوصفه سؤال حق وعدالة، بل يُحوَّل إلى «ملف إداري»، ويُعاد تعريف العنف باعتباره خللًا تقنيًا أو استجابة أمنية، لا اعتداءً يستوجب المساءلة.
ثانيًا: من فرعون إلى اليوم… انتحال السيادة
يُستدعى النموذج الفرعوني بنيةً سيادية لاحتكار الحق، لا قياساً زمنياً. خطاب فرعون: {مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي} ثم {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ} يعيد تنظيم الحق داخل هرمية سلطوية مغلقة، تُختزل فيها السيادة في شخص الحاكم.
اليوم، لا تُلغى السيادة بل تُعاد هندستها: يُقسر الحق على المرور عبر «قنوات شرعية» صمّمها الجاني نفسه، فتُدار العدالة من داخل منظومة الاتهام، لا من خارجها.
ثالثًا: مادية الفناء – الاقتصاد كأداة انتفاء
السياسات الاقتصادية المفروضة على غزة ليست إدارة موارد، بل «هندسة انتفاء الحاجة» عبر فناء الإنسان. تُعاد صياغة الحياة بوصفها عبئًا حسابيًا، ويُقدَّم موت البشر كحل هندسي نهائي لمعضلة الموارد.
(رد على «المبالغة الوجودية»):
ليس توصيفًا مجازيًا. سكان غزة انخفضوا إلى نحو 2.13 مليون نسمة (PCBS، نهاية 2025)، أي تراجع يقارب 10.6% مقارنة بما قبل 7 أكتوبر. القتلى المباشرون، وفق تقديرات وزارة الصحة في غزة حتى فبراير 2026، يتراوحون بين 71 و72 ألفًا، مع تقديرات غير مباشرة تتجاوز 100 ألف. هذا ليس فناءً فوريًا، بل «تطهير بالتقسيط».
رابعًا: غزة وتكنولوجيا تخدير المساءلة (إعدام الحيز)
تبلغ الهندسة ذروة توحشها حين تتحول إلى تشكيل للفراغ ذاته. «إعدام الحيز العام» (Urbicide) يمنح المهيمن سلطة تقرير ما إذا كانت النقطة مسجدًا أو كومة ركام، وما إذا كان المكان صالحًا للحياة أو للمحو.
(رد على «الأنفاق والدروع البشرية»):
شبكة الأنفاق تنتشر في قطاع شديد الاكتظاظ. طبيعتها تجعل تجنب المرافق المدنية مستحيلاً دون تفكيك الشبكة ذاتها، ما ينفي ادعاء «الاستخدام المتعمد للدروع البشرية». وحتى مع افتراض وجود عسكري محدود، يظل مبدأ التناسب في القانون الدولي ملزمًا، ولا يبرر تدمير 80–90% من البنية الطبية والتعليمية. تكتمل الهندسة بـ«إزاحة الآهة»: وعود تسكين الألم يعقبها تعطيل تقني متكرر.
(رد على الهدن والشاحنات):
ينخفض معدل القتل فقط خلال الهدن التكتيكية (نحو 576 قتيلًا منذ أكتوبر 2025 حتى فبراير 2026)، ثم يعود فور انتهائها، بما يدل على القصدية. دخول الشاحنات بقي مقيدًا، في إطار تبريد إعلامي لا ينفي السياسة الأساسية.
خامسًا: استعادة السيادة المعرفية
تتمثل المواجهة الحقيقية للهيمنة في كسر “قوالبها” اللغوية والقانونية؛ فالمعرفة هنا ليست مجرد رصد، بل هي استرداد للحق في تعريف الواقع.
(رد على ادعاء «الدفاع عن النفس»):
إن محاولة “انتحال صفة الضحية” هي ذروة الهندسة التضليلية؛ فلا حق للمحتل في الدفاع عن نفسه قانونياً (المادة 51 وجنيف).هو طرف مسيطر على الحدود والمقدسات والموارد، لا كيان ضعيف يتوسل الحماية. إن حصار الأقصى (4,397 اقتحامًا في يناير 2026 وحده) كان سببًا مباشرًا لتفجر العنف، لا تبريرًا لاحقًا له.
(رد عام على «حذف السياق المضاد»):
تسمية الفعل جُرمًا لا حدثًا إحصائيًا، ورفض التبريد الإعلامي وتأجيل الحكم، هما مفتاح استعادة السيادة. 7 أكتوبر نتاج تراكمات ممتدة (حصار 17 عامًا، تهويد الأقصى، قتل يومي)، لا سببًا مشروعًا لعقاب جماعي. ادعاء «الدفاع عن النفس» ليس مجرد مغالطة، بل تناقض بنيوي يُفرغ الجريمة من مسؤوليتها. مرجعية الصرخة ووجع الضحية هما “القانون الطبيعي” الذي يسبق كل حياد زائف.
الخاتمة: شرط المساءلة
الهيمنة ليست صمتًا عفويًا، بل «هندسة صمت» تُدار لتخدير الوعي وتأجيل الحكم، لكنها تظل هشة أمام الكلمة التي ترفض القالب وتُعيد تسمية الأشياء بأسمائها. فالكلمة هنا ليست ترفًا أخلاقيًا، بل فعل مساءلة أولي: شرطٌ معرفي لفتح الباب أمام المسؤولية القانونية، ومنع الجريمة من أن تُعاد تدويرها كإجراء إداري. حين تُستعاد اللغة، يُستعاد الحق في الاتهام، ويعود القانون إلى وظيفته الأصلية: محاسبة القوة لا تبريرها.
مراجع مختصرة:
فوكو، ليفيفر، إدوارد سعيد.
محمد عزت الشريف، مقالات (2026).
PCBS، وزارة الصحة بغزة، OCHA، COGAT (تقارير 2025–2026).







