سقوط أقنعة النضال المزيف.. السجل الأسود للمبتز هشام جيراندو: من كواليس الابتزاز إلى الدرك الأسفل من الخيانة

لم يعد السقوط المدوي للنصاب الهارب هشام جيراندو مجرد زلة قدم أو تعثر في كبوة عابرة، بل تحول إلى مظاهر انتحار إعلامي وأخلاقي كامل الأركان، كشفت كافة تفاصيله حقيقة هذا المرتزق الذي ظل لسنوات يقتات على تضليل المتابعين وادعاء البطولات الوهمية.

فقد جاءت تفاصيل السقوط المدوّي في أحدث حلقاتها لتضع النقاط على الحروف، عبر التسريب الحصري الأخير الذي وثق مكالماته المشبوهة مع السمسار محمد بوعشرية، وهو التسريب الذي عرى كواليس مؤامرة دنيئة مكتملة الأركان خُطط لها في الخفاء لاستغلال منصاته الرقمية كأداة طيعة للضغط والمساومة ضد بارون المخدرات المعروف بلقب “قولولو”.

هذا التسريب الجديد لم يكن في واقع الأمر إلا القشة التي قصمت ظهر البعير، والحلقة الأحدث ضمن سلسلة لا متناهية من الفضائح التي أطاحت بآخر مساحيق الزيف عن وجه هذا المبتز، مؤكدة بالدليل القاطع أن جميع شعارات “الطهرانية” و”محاربة الفساد” التي كان يتبجح بها لم تكن سوى غطاء خبيث لإدارة شبكة إجرامية عابرة للحدود، تتخصص في فرض الإتاوات، وتلقي الرشاوى السمينة، وتصفية الحسابات بين بارونات السموم وتجار الممنوعات.

ومع تتالي الصدمات وتطويقه بالأدلة الدامغة، انتابت هذا الهارب حالة من الهستيريا والرعب الحقيقي؛ حيث ظهر كالديك المذبوح يتخبط في دهاليز التناقض والارتباك، ليلجأ إلى التخريجة الأكثر رداءة وبؤسا عبر ادعائه المثير للضحك بأن التسجيلات الصوتية المسرّبة ما هي إلا “فبركة برمجية وتزوير بواسطة الذكاء الاصطناعي”.

غير أن هذا الادعاء المثير للاستهجان سرعان ما انهار أمام واقع أدلة قطعية لا تقبل التكذيب، تمثلت في تفريغات نصية، ومحادثات كتابية مؤكدة، ورسائل استعطاف واعترافات صريحة مدونة من البارونات أنفسهم—من أمثال عادل المذهوب، ورشيد الراضي، وصلاح الدين الخراز، ومصطفى الهرواشي، وولد الفرمالية— وآخرون وآخرون، ممن أقروا بصحة هذه المحادثات وأبدوا رعبهم الشديد من انكشاف أمر التنسيق مع هشام جيراندو والابتزاز المتبادل.

والأدهى من ذلك أن هذا التخبط كشف حجم الانفصام والتناقض المفضوح في خطابه؛ فبينما خرج قبل أيام معدودة بتصريح ادعى فيه بكل قلة حياء وصلف وتبجح أنه “لا يُطعم أسرته وأبناءه إلا الحلال”، جاءت بعدها مباشرة الحقائق الدامغة والتحويلات المالية المقبوضة عبر وكالات الأموال الدولية والحسابات الوسيطة لتفضح حقيقة هذا “الحلال المزعوم”، وتؤكد للجميع أن القوت الذي يطعمه لأسرته ليس سوى أموال سحت ناتجة عن التستر على شبكات الكوكايين والبوفا والتهريب الدولي، والتورط في ملفات تهجير البشر والمتاجرة بآلام الناس.

إن هذه الصدمات المتتالية لم تُعري فقط البعد المالي والإجرامي لجيراندو، بل وضعت حدا لظاهرة الابتزاز الرقمي برمتها، بعدما اتضح للرأي العام أن هذا المرتزق الذي حاول لعب دور “الناشط الشريف” لم يزد عن كونه بيدقا مأجورا وسمسارا في السوق السوداء للتشهير، يبيع ويشتري في القضايا الوطنية ويستغل المساحات الرقمية لخدمة أجندات إجرامية ومداهنة المبحوث عنهم قضائيا مقابل العطايا وسحت الأموال.

واليوم، بينما تتجه الأمور نحو محاصرته عبر شكايات وملاحقات قضائية حتمية في محاكم كندا وفرنسا وإسبانيا وتركيا، يقف هذا النصاب مجردا من كل مصداقية، مواجها المصير المحتوم لمن اختار الخيانة والارتزاق منهجا، ليتركه القضاء ووعي المجتمع المغربي في حجمه الطبيعي صغيرا، ومحاصرا بلعنة الابتزاز، وراجعا إلى المكان الذي يستحقه في درك النسيان ومزبلة التاريخ.


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني