يتعدى الخروج النشاز والأسلوب المتجاسر لعبد الإله بنكيران اتجاه الجالس على العرش حد السلوك الفردي الرعناء أو الرغبة البائسة في لفت الأنوار لنفسه ولملمة شظايا حزبه المتهالك، ليلامس العمق المظلم لـ “العقيدة الإخوانية” التي لطالما شكلت تهديداً صامتاً ومباشراً للثوابت الوطنية والأمن القومي.
إن خطورة هذه العقيدة، التي تطفو على السطح كلما ضاقت بالرجل منافذ التأثير السياسي، تتجلى في كفرها التأصيلي بمفهوم “الدولة الوطنية” ومؤسساتها السيادية، ومحاولتها الدؤوبة لإقامة سلطة موازية تستمد مشروعيتها من إشاعة التشكيك، وصناعة الأزمات، والتماهي التام مع الخطابات الأجنبية المعادية.
فعندما يتجرأ بنكيران على القفز على المؤسسات الأمنية والحقوقية للبلاد، ضارباً بعرض الحائط تقارير المجلس الوطني لحقوق الإنسان وبلاغات وزارة الداخلية التفصيلية حول أحداث سبتة، بحثاً عن إحراج الدولة وتحديد مهل زمنية للرد، فهو يطبق بحذافيرها الأدبيات الإخوانية التي تسعى إلى زعزعة ثقة المواطن في أجهزة وطنه، وإظهار مؤسسات السيادة بمظهر العاجز عن تقديم الحقيقة.
والأدهى من ذلك أن هذا السلوك الشاذ يعري حجم الانفصام الأخلاقي والسياسي؛ ففي الوقت الذي يتكتل فيه الإسبان بمختلف أطيافهم الحزبية والإعلامية في جبهة واحدة لاستهداف المملكة وسيادتها، يختار بنكيران بكل خفة وسفه شق الإجماع المغربي، متحولاً إلى صدى و«مكبر صوت» لأطروحات اليمين المتطرف الصحفي في إسبانيا من أمثال إغناسيو سامبريرو وفرانسيسكو كاريون، ومروجاً لنظرية المؤامرة برعونة تفوق ما تردده أحزاب مثل “بوديموس”.
إن هذا التماهي المفضوح مع الخصوم والابتزاز السياسي المبني على قلة الأدب والحد الأدنى من اللباقة الدستورية يؤكد أن المرجعية الإخوانية لبنكيران ترى في الأمن القومي والاستقرار المجتمعي مجرد أوراق تفاوضية رخيصة، يُضحى بها في سبيل استعادة نفوذ وهمي، مما يجعل فضح هذه العقيدة وقطع دابر مساعيها لشق الصف الوطني ضرورة أمنية ومجتمعية حاسمة لحماية هيبة المؤسسات وسواري الدولة المغربية الرصينة.
ستظل الخرجات الشاذة لابن كيران زبدا يذهب جفاء أمام مناعة التلاحم التاريخي بين العرش والشعب، وعظمة دولة المؤسسات التي لا تهزها المزايدات الفارغة ولا الشطحات الإخوانية المتجددة؛ إذ يبدي التاريخ المغربي مجدداً أن المتاجرة بالقضايا الوطنية والتشكيك في مؤسسات السيادة ليس إلا انتحارا سياسيا محتوما لكل من تسول له نفسه وضع المصالح الحزبية الضيقة فوق ثوابت المملكة، لتظل هيبة القصر والمؤسسات الوطنية حصنا حصينا يستعصي على الاختراق، ويسقط أمامه كل أدعياء “التذاكي السياسي” في درك النسيان والعدم.







