
بقلم : ذ.محمد بوفتاس
التفسير، في جوهره، فعل إنساني حي، وسيلة لفهم النص وربطه بالواقع. إنه جسر بين الوحي الثابت والفهم المتغير، بين الكلمة المقدسة وتجربة الإنسان اليومية. لكن عبر التاريخ، لم يظل التفسير مجرد أداة معرفية حرة، بل أصبح قوة نافذة، تتحكّم في الوعي الجمعي، وتفرض حدودًا للفكر، وتحدد ما يُعتمد وما يُرفض، وما يُعتبر حقًا وما يُعدّ خطأ. هذا التحول من اجتهاد حيّ إلى سلطة نافذة لم يكن مجرد صدفة، بل نتيجة طبيعية لتفاعل الإنسان مع النص، والمجتمع مع السلطة، والفكر مع الحاجة إلى اليقين والأمان.
عندما يتحوّل التفسير إلى سلطة، يصبح العقل الجمعي مقيدًا بمعايير محددة، وتضيق مساحة التساؤل، ويصبح الاختلاف تهديدًا للنظام الاجتماعي والمعرفي القائم. الفعل الإنساني الطبيعي—الاجتهاد—يتحوّل من ممارسة حرة إلى التزام صامت، والخطأ ليس مجرد اختلاف فكري، بل مسألة اجتماعية أو سياسية أو دينية يمكن أن تُحاسب عليها الجماعة أو الدولة. وهكذا يتحوّل النص من كونه أداة حياة وتجربة، إلى مرآة للهيمنة والسيطرة، فيصبح فهمه أداة للحفاظ على النظام القائم أكثر من كونه وسيلة للمعرفة والتنوير.
هذا التحوّل إلى سلطة لا يتم بشكل مفاجئ، بل عبر سلسلة تراكمية من الأحداث والعوامل: تقديس الاجتهاد، رسم معايير محددة للقراءة، تثبيت مرجعيات فقهية بعينها، وربطها بالسلطة السياسية أو الاجتماعية. عندما تصبح قراءة محددة مقدسة، تُخلق حالة من الخوف والطاعة تجاه النص، ويصبح السؤال والشك والتجديد محفوفًا بالمخاطر. التفسير، الذي وُجد ليكون حياً ومتفاعلاً، يصبح مسيطرًا على وعي الإنسان، وعلى نظام قيم المجتمع، ويحول كل محاولة جديدة للتفكير الحر إلى تحدٍ قد يُعاقب عليه.
السلطة التي يمارسها التفسير ليست فقط قوة اجتماعية، بل قوة رمزية أيضًا. فهي تمنح القراءة الرسمية مرجعية عليا، بينما تُهمّش الاجتهادات المستقلة والتجارب الفكرية الجديدة. وفي الوقت نفسه، تُنقل هذه السلطة من جيل إلى آخر، فتستمر العملية نفسها على مدى قرون، بحيث يصبح المجتمع محكومًا بحدود فهم محدد للنص، بينما يظل النص نفسه حيًا، لكنه يُقرأ من خلال عدسة السيطرة، لا التجربة الحرة.
إن فهم كيف تحوّل التفسير إلى سلطة ليس مجرد استعراض تاريخي، بل كشف لآليات قوة الإنسان على الإنسان، ولقوة المعرفة على الفكر، ولقوة القداسة المفروضة على العقل الجمعي. إنه دراسة للعلاقة بين النص والعقل، بين النص والسلطة، وبين الإنسان وواقعه، وعملية مستمرة تجعل الفعل البشري—الاجتهاد—محاطًا بالقداسة، مقيدًا بالرقابة، ومهيمنًا عليه.
ومن منظور فلسفي أعمق، هذا التحول يطرح سؤالًا جوهريًا: كيف يمكن لفعل محدود، بشري، ومؤقت، أن يتحول إلى سلطة عليا؟ الجواب يكمن في طبيعة الإنسان نفسه: حاجته إلى اليقين، خوفه من الخطأ، رغبته في الانتماء، وسعيه وراء الأمان. وعندما تلتقي هذه الطبيعة مع نص مقدس، ومع هيكل سلطوي، يصبح التفسير أداة مثالية للهيمنة، لا وسيلة للفهم الحر.
إن دراسة هذه الرحلة التي جعلت التفسير يتحول من اجتهاد إلى سلطة، ليست مجرد استعراض تاريخي، بل محاولة لفهم آليات السلطة في الفكر والدين، وكيف يمكن للوعي بهذه الآليات أن يتيح إعادة فتح باب الاجتهاد، واستعادة الحرية الفكرية، وإعادة الحيوية للنصوص. فالتفسير، الذي كان يوماً أداة للتقريب بين الإنسان والنص، يمكن أن يصبح وسيلة للسيطرة، والوعي بهذه الحقيقة هو الخطوة الأولى نحو تحرير العقل والفكر، واستعادة العلاقة الحية بين الإنسان والدين، بين الاجتهاد والنص، بين الحرية والقداسة.
• من كتاب سيصدر قريبا تحت عنوان ) تحرير المعنى : نحو قراءة معاصرة للقرآن وتفكيك الجمود العقلي )








