تُعدّ المذكرات التنظيمية المرتبطة بالامتحانات الإشهادية من بين أهم الأدوات التي تعتمدها الوزارة الوصية لضبط سير هذه المحطات الحاسمة في المسار الدراسي للتلاميذ، غير أنّ المذكرة رقم 26/031، في صيغتها الحالية، تثير جملة من التساؤلات والانتقادات، سواء من حيث مضامينها التنظيمية أو من حيث آثارها التربوية والمهنية على حد سواء.
من الناحية التربوية، يبدو أنّ هذه المذكرة تنزع نحو تكثيف الطابع الزجري والرقابي داخل فضاءات الامتحان، بشكل قد يُحوّل هذا الفضاء من لحظة تقييم تربوي إلى وضعية ضغط نفسي حاد على المتعلمين. فالتشديد المفرط على إجراءات المراقبة، وتوسيع دائرة الشك في سلوك التلميذ، قد يخلق مناخًا من التوجس والقلق، لا يساعد على إبراز القدرات الحقيقية للمتعلمين، بل يدفع بعضهم إلى الارتباك وفقدان التركيز. ومن المعروف في الأدبيات التربوية أن التقييم الفعّال ينبغي أن يتم في بيئة آمنة نفسيًا، تُشجّع على الأداء الأمثل بدل تغذية الخوف من الخطأ.
أما على مستوى العدالة التربوية، فإن التطبيق الصارم لبعض مقتضيات هذه المذكرة، دون مراعاة الفوارق الفردية والظروف النفسية والاجتماعية للتلاميذ، قد يفضي إلى نتائج غير منصفة. فالتلميذ الذي يعاني من ضغط الامتحان أو من ظروف خاصة قد يجد نفسه أمام منظومة لا تتيح له هامش الخطأ أو الاستدراك، وهو ما يتعارض مع مبدأ تكافؤ الفرص الذي يفترض أن يكون ركيزة أساسية في كل إصلاح تربوي.
وبالانتقال إلى هيئة التدريس، وخاصة أساتذة الثانوي التأهيلي، فإن المذكرة تطرح إشكالات مهنية حقيقية. إذ يبدو أنّها تُحمّل الأستاذ أدوارًا رقابية وأمنية تتجاوز وظيفته التربوية الأصلية، وتحوله من فاعل بيداغوجي إلى عنصر ضبط وانضباط. هذا التحول في الأدوار قد ينعكس سلبًا على صورة الأستاذ لدى المتعلمين، حيث يُنظر إليه كطرف في منظومة زجرية بدل كونه موجّهًا ومؤطرًا.
إضافة إلى ذلك، فإن شروط الحراسة كما تقترحها المذكرة قد تُفاقم من الضغط المهني والنفسي على الأساتذة، خاصة في ظل غياب تعويضات عادلة أو ظروف عمل ملائمة. فتكثيف ساعات الحراسة، وتوسيع المسؤوليات القانونية والأخلاقية الملقاة على عاتق الأستاذ، دون توفير حماية مؤسساتية كافية، قد يعرّضه لمخاطر مهنية جسيمة، سواء على مستوى المتابعات الإدارية أو حتى الاحتكاكات داخل مراكز الامتحان.
كما أن إسناد مهام الحراسة بشكل مكثف لأساتذة الثانوي التأهيلي يطرح تساؤلًا حول مبدأ الإنصاف في توزيع الأعباء داخل المنظومة التربوية، خاصة إذا لم يُراعَ التوازن بين مختلف الأسلاك التعليمية. وهو ما قد يخلق نوعًا من الاحتقان المهني والشعور بعدم التقدير لدى فئة تشكل العمود الفقري للتعليم الثانوي.
إن خطورة هذه المذكرة لا تكمن فقط في مضامينها المباشرة، بل في الفلسفة التي تؤطرها، والتي تميل إلى تغليب المقاربة الأمنية على المقاربة التربوية. فالإصلاح الحقيقي لمنظومة الامتحانات لا يمكن أن يتحقق عبر التشديد والرقابة فقط، بل عبر بناء ثقة متبادلة بين مختلف الفاعلين، وتحسين شروط التعلم، وتطوير آليات التقييم بشكل يراعي البعد الإنساني والنفسي للمتعلم.
وعليه، فإن الحاجة أصبحت ملحة لإعادة النظر في هذه المذكرة، من خلال فتح نقاش تشاركي مع الفاعلين التربويين، وفي مقدمتهم هيئة التدريس، قصد بلورة إطار تنظيمي يحقق التوازن بين ضمان نزاهة الامتحانات وصون كرامة المتعلم وحماية الأستاذ، بما ينسجم مع روح الإصلاح التربوي المنشود.
ذ.مودنان مروان
أستاذ اللغة العربية
خبير تربوي.
عضو الاتحاد الدولي للغة العربية.








