لم يكد يُنهي جلالة الملك محمد السادس خطابه السامي بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش، والذي وضع فيه حدا فاصلا بين “المغرب الصاعد الواثق بمؤسساته” وبين “خطابات اليأس والإحباط والتبخيس”، حتى سارع حميد المهداوي إلى اعتلاء منبره الرقمي، ليُقدّم قراءة تنضح بالثناء المفاجئ، في تحول دراماتيكي أثار ذهول وسخرية المتابعين على حد سواء.
الرجل الذي بنى مسيرته الرقمية في السنوات الأخيرة على صناعة السوداوية، وجعل من التشكيك في مؤسسات الدولة والتبخيس الممنهج لجهود رجال الأمن والمسؤولين “تجارة مربحة” تُدرّ عليه عوائد “الأدسنس”، وجد نفسه فجأة أمام جدار الحقيقة. فالخطاب الملكي لم يكتفِ برسم معالم القوة الاقتصادية والدفاعية للمملكة، بل وجه ضربة قاضية لـ “مقاولات التجهيل والتأييس”، مبينا أن الاستقرار والأمن والنجاعة المؤسساتية هي الرصيد الحقيقي للوطن، وأن القوة تعود لمن يبني لا لمن يصرخ.
إن القراءة الفاحصة لخرجة المهداوي الأخيرة المنوهة بالخطاب الملكي لا تعكس “صحوة ضمير” أو “مراجعة وطنية شجاعة”، بقدر ما تعكس حالة من الرعب والذعر التنظيمي لدى شخص أدرك أن بضاعته الكاسدة باتت منبوذة مجتمعيا.
فالمجتمع المغربي، الذي ينبض بالوطنية الحقة ويرى بعينيه التحولات الميدانية والمشاريع العملاقة، أظهر وعيا عاليا بكون خطابات التبخيس الصادرة عن منصات اليوتيوب ليست إلا استثمارا رخيصا في الأزمات.
وحين لوّح الخطاب الملكي بوضوح بشرعية الثقة ومحاربة التيئيس، شعر المهداوي بأن البساط يُسحب من تحت قدميه، وأن دوره كـ “يوتوبر مهرج مروج للسوداوية” أوشك على الانتهاء بنهاية مأساوية تُفقده رصيد المتابعات.
ولو كان المهداوي صادقا في “انعطافته” الأخيرة أو يملك شجاعة النقد الذاتي، لأفرد حيزا رئيسيا لما ورد في الخطاب الملكي السامي بخصوص مروجي السوداوية واليأس؛ ولكان حريا به أن يتوقف بطريقة موضوعية عند الرسائل الصارمة التي وجهها عاهل البلاد لقطع الطريق على تجار الإحباط.
لكنه فضل القفز على هذه المضامين الحيوية، متحاشيا التطرق للإشادات الملكية الصريحة بالأمن والاستقرار وتماسك مؤسسات الدولة، لأن الإقرار بهذه الحقائق الميدانية ينسف بالكامل البناء الهش لخطابه القائم على الشك والمظلومية.
هذا التجاهل المتعمد يؤكد مرة أخرى أن ما قدمه لم يكن سوى مناورة إعلامية مكشوفة، ومحاولة خبيثة لامتصاص الصدمة دون المساس بالبضاعة الأصلية التي يقتات عليها.
والسؤال الذي نطرحه اليوم من هذا المنبر: هل سيتغير المهداوي فعلا أم هي مجرد “تقية” و”استراحة محارب”؟ وهل يمكن لـ “تاجر إثارة” أن يتخلى عن السلعة الفاسدة والبضاعة الكاسدة التي يقتات عليها؟
التاريخ السلوكي للمهداوي يُجيب بوضوح: “حليمة لن تتأخر في العودة إلى عادتها القديمة”. لسبب بسيط، وهو أن الخطاب الوطني المتزن والتفاؤلي لا يصنع “الدراما” التي تحتاجها خوارزميات المنصات الرقمية لرفع التفاعلات وسحب أرباح الإعلانات. وبما أن المهداوي تحول إلى رهينة لهذه المعادلة المالية، فإن العودة إلى التشنج والصراخ مجرد مسألة وقت.
النقد البناء يستلزم معطيات ودراسة ورزانة، وهو ما يفتقر إليه المهداوي الذي يعتمد بالأساس على الشعبوية والشحن العاطفي واستغلال الحوادث الفردية، تماما مثلما فعل في قضية ضابط المحمدية وغيرها.
إن الانعطافة الأخير للمهداوي ليست سوى “مناورة تكتيكية” لامتصاص صدمة الخطاب الملكي والهروب من وصمة عار “صناع الإحباط”. لكن الرهان الحقيقي اليوم ليس على ما سيفعله المهداوي غدا، بل على الوعي الجماعي للمغاربة؛ ودور السلطات القضائية في التفاعل مع خطاب جلالة الملك من أجل مكافحة شاملة لكل العدميين في الداخل، فالشعب الذي يرى بلاده تبني السيادة الصناعية، والتكنولوجيا الدفاعية، وتستعد لاستحقاقات عالمية، لم يعد ينخدع بدموع التمساح ولا باستدارات “أبطال الديجيتال” الذين يغيرون جلودهم حسب حركة الأسهم في سوق “الأدسنس”.
سيظل المغرب الصاعد يواصل مسيرته بثبات، وستظل مؤسساته عصية على التبخيس، أما الذين يعتاشون على سوداوية المشهد، فسينتهي بهم المطاف في مزابل التاريخ الرقمي، لأنهم مجرد ظاهرة صوتية سيطفئ الوعي الوطني بريقها إلى الأبد.







