الموظف العائد إلى الجامعة: حق في التكوين أم حق على حساب الآخرين؟

مسؤولية المشغّل، أخلاقيات الانتماء وإنصاف الطالب المتفرغ

من باريس بتاريخ 17 أغسطس 2026

بقلم الدكتور محمد محاسن

 

توطئة

قد تبدو رسوم تسجيل الموظفين بالجامعة قضية مالية عابرة، غير أن ما أثارته من جدل يكشف عن أسئلة تتجاوز بكثير مبلغاً يؤدى عند التسجيل: من يتحمل كلفة عودة الموظف إلى الجامعة؟ وأي تكوين، لأي موظف، ولخدمة أية حاجة؟ وأين تبدأ مسؤولية المشغّل وأين تنتهي مسؤولية الجامعة؟

ثم ماذا يحدث حين تتحول المطالبة بالإعفاء من نقاش حول الحق إلى إساءة لمن يمثلون الجامعة؟ والأهم: أين الطالب المتفرغ من كل هذا، ومن يحمي حقه حين تتزاحم المطالب على موارد جامعية محدودة؟ أسئلة تجعل القضية أبعد بكثير مما توحي به رسوم التسجيل، وهذا ما يستحق أن نتوقف عنده مليا.

 

حين تتحول المطالبة بالحق إلى إساءة للجامعة

 

ثمة فرق كبير بين أن يطالب المرء بحق يكفله القانون وبين أن يحوّل امتيازاً استفاد منه في مرحلة معينة إلى حق دائم لا يقبل النقاش. ويزداد الأمر خطورة عندما تتحول المطالبة بهذا «الحق» إلى مناسبة للطعن في الجامعة وهيئاتها ورؤسائها وعمدائها وأسـاتيذها والتشهير بهم لأنهم طبقوا مقتضيات تنظيمية أو مالية لم يضعوها أصلاً. وهذا بالضبط ما يستحق النقاش اليوم في قضية رسوم تسجيل الموظفين الراغبين في متابعة دراستهم بالجامعة.

فحين يبلغ الأمر ببعض الطلبة الموظفين حد سب أساتيذهم وعمدائهم ورؤساء جامعاتهم وتجريحهم، بل ونعتهم بأوصاف من قبيل «الفراقشية»، لمجرد مطالبتهم بأداء واجبات إعادة التسجيل، فإن القضية لم تعد مالية فحسب. إنها تصبح سؤالاً عن معنى الانتماء إلى الجامعة، وعن حدود الحق والواجب، وعن الحد الأدنى من الاحترام الذي ينبغي أن يحكم العلاقة بين المؤسسة ومن يلج أبوابها. وهنا يطرح سؤال قد يبدو قاسياً لكنه مشروع: هل من يسيء إلى الجامعة وإلى نسائها ورجالها لأنها رفضت الخضوع لضغطه يدرك فعلاً معنى العودة إليها والانتماء إليها؟

فالجامعة المغربية لم تغلق أبوابها في وجه الموظفين. بل فعلت العكس تماماً. لقد استقبلتهم وأتاحت لهم العودة إلى مقاعد الدراسة، وكيّفت في عدد من التكوينات توقيت الدراسة بما يتناسب مع التزاماتهم المهنية، ومنحتهم فرصة جديدة للحصول على شهادات وطنية والارتقاء بمعارفهم وكفاءاتهم ومساراتهم المهنية.

فهل يكون جزاء ذلك أن تتحول الجامعة، عند أول خلاف حول الرسوم، إلى موضوع للسب والتجريح؟

 

هل يحق لمن استفاد من المجانية مرة المطالبة بها إلى ما لا نهاية؟

يجب ألا ننسى حقيقة أساسية في هذا النقاش. الموظف الذي يعود اليوم إلى الجامعة سبق له، في الغالب، أن استفاد من مجانية التعليم العمومي ومن الحق في الدراسة إلى أن حصل على الشهادة التي مكنته، مباشرة أو بعد حين، من ولوج الوظيفة أو سوق الشغل. وهو اليوم يتقاضى أجراً قاراً ويعود إلى الجامعة لتحسين تكوينه أو تطوير مساره أو الحصول على شهادة إضافية. وهذا حق مشروع ينبغي تشجيعه لا الاعتراض عليه. لكن مشروعية العودة إلى الدراسة لا تعني تلقائياً مشروعية مطالبة الجامعة بتحمل كلفتها كاملة. وهنا تظهر مفارقة يصعب تجاهلها. إلى جانب الموظف الذي يتقاضى أجراً شهرياً يوجد الطالب المتفرغ الذي لا مورد قار له، يجعل الدراسة والبحث شغله اليومي، ويقضي سنوات من الجد والكد أملاً في الحصول على شهادة قد تقوده إلى وظيفة، وقد يطول انتظاره قبل أن يجدها.

فإذا كانت الموارد العمومية محدودة، فمن الأولى بالحماية؟ هل هو الطالب المتفرغ الذي لا دخل له ولم يحصل بعد على فرصته الأولى؟ أم الموظف الذي حصل بالفعل على وظيفة ويعود للحصول على شهادة إضافية؟

إن طرح السؤال بهذه الصورة لا يستهدف الموظفين ولا حقهم في التعلم مدى الحياة، وإنما يعيد النقاش إلى أساسه الصحيح: العدالة في توزيع كلفة التعليم العمومي.

وهل الإعفاء حق قانوني أصلاً؟ هنا نصل إلى صلب الإشكال. إذا كان إعفاء الموظفين من رسوم التسجيل قد تقرر سابقاً بموجب قرار حكومي أو توجيه إداري، فمن المشروع اليوم أن نسأل بهدوء: ما سنده القانوني؟ وما طبيعته؟ وهل يوجد نص تشريعي أو تنظيمي يمنح الموظف حقاً دائماً في التسجيل المجاني في تكوين جامعي إضافي؟ فالامتياز الإداري لا يتحول بمجرد استمراره إلى حق أبدي.

وإذا تبين أن الإعفاء السابق لا يستند إلى نص يمنح الموظفين هذا الحق صراحة، فإن الوقت يكون قد حان لإعادة النظر فيه وفق قواعد واضحة ومنصفة، بدل التعامل معه باعتباره «حقاً مكتسباً» لا يجوز الاقتراب منه.

بل ينبغي أن يطرح سؤال آخر: هل يجوز أصلاً تحميل الجامعة وحدها كلفة سياسة اجتماعية أو مهنية لم تقررها هي، ولا تتوفر بالضرورة على الموارد الكافية لتمويلها؟

الجواب عن هذه الأسئلة يحتاج إلى القانون والوثائق، لا إلى الشعارات وحملات الضغط.

 

جامعة مكتظة وموارد ليست بلا حدود

لا يمكن مناقشة رسوم التسجيل وكأن الجامعة تعمل في فراغ مالي وبشري. فالجامعة مطالبة بالتدريس والتأطير والبحث العلمي والإدارة، وتوفير البنيات والمختبرات والتجهيزات والموارد الرقمية، في ظل ضغط متزايد على مواردها البشرية والمالية وارتفاع أعداد الطلبة في عدد من المؤسسات والتكوينات. والطالب الموظف لا يدخل الجامعة بوصفه رقماً إضافياً فحسب. إنه يحتاج إلى مقعد وتدريس وتأطير وإدارة وامتحانات وتصحيح وشهادة واستعمال للبنيات الجامعية، وقد تستدعي وضعيته المهنية نفسها ترتيبات خاصة في التوقيت والتنظيم. فمن يؤدي كلفة ذلك كله؟ هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يحل محل السؤال التبسيطي: «لماذا يؤدي الموظف رسوماً؟». قبل أن نسأل من يؤدي… لنسأل: أي تكوين ولأي موظف؟

إذا كان الموظف يحتاج إلى تكوين إضافي يطور كفاءاته المهنية، فإن الطرف الذي ينبغي أن يتجه إليه أولاً ليس الجامعة وإنما مشغّله. فالقطاع الوزاري والمؤسسة العمومية والجماعة الترابية والمقاولة وغيرها من جهات التشغيل مسؤولة بدورها عن تنمية كفاءات مواردها البشرية. والتكوين المستمر ليس إحساناً تقدمه المؤسسة للعاملين بها، بل استثمار في رأسمالها البشري وفي جودة أدائها. لكن هذا يقود إلى سؤال أكثر دقة: أي تكوين؟ لأي موظف؟ ولأي قطاع أو مؤسسة أو مقاولة؟ ولخدمة أية أهداف؟ فليس كل تكوين يختاره الموظف بالضرورة تكويناً يحتاج إليه مشغّله، وليس كل سعي إلى شهادة إضافية تطويراً لكفاءات تخدم الوظيفة أو المرفق أو المقاولة. ومن حق الموظف أن يرغب في دراسة تخصص جديد أو الحصول على شهادة أخرى. تلك حرية مشروعة ينبغي احترامها. لكن الرغبة الفردية في الارتقاء العلمي شيء، والتكوين المستمر الذي يدخل في مسؤولية المشغّل شيء آخر.

ومن هنا ينبغي أن تقوم العلاقة بين التكوين وحاجيات المؤسسة على مبدأ الملاءمة: ملاءمة التكوين مع طبيعة الوظيفة، ومع الكفاءات المطلوب تطويرها، ومع التحولات التي يعرفها القطاع، ومع المشروع المهني للموظف، وقبل ذلك كله مع الأهداف الاستراتيجية للمؤسسة.

فلا معنى لأن نمول تكويناً لمجرد رغبة موظف في الحصول على شهادة إضافية دون أن نسأل عما ستضيفه إلى أدائه وإلى المرفق الذي يعمل فيه. وبالمقابل، لا معنى لأن تشتكي المؤسسات من ضعف كفاءات مواردها البشرية ثم تترك موظفيها يبحثون بأنفسهم عن التكوين، ويمولونه أو يطالبون الجامعة بتمويله نيابة عنها.

وهنا تبرز مسؤولية المشغّل: أن يشخص حاجياته من الكفاءات، ويحدد أولويات التكوين، ويضع برامجه ويرصد لها الموارد، ويبرم اتفاقيات مع الجامعات، وييسر للموظفين المستفيدين تنظيم أوقات عملهم، ويتحمل كلياً أو جزئياً كلفة التكوين الذي يخدم حاجاته الفعلية.

أما إذا اختار الموظف تكويناً لا علاقة له بحاجيات عمله ولا بمشروع تطوير الكفاءات داخل مؤسسته، فمن حقه أن يتابع دراسته، لكن يصبح من المشروع أيضاً التساؤل: لماذا ينبغي للجامعة العمومية أن تتحمل من مواردها المحدودة كلفة اختيار شخصي لموظف يتقاضى أجراً؟ هكذا ننتقل من منطق: «أريد أن أدرس، إذن على الجامعة أن تمول دراستي»، إلى منطق أكثر مسؤولية: حاجة مهنية يحددها المشغّل، وتكوين ملائم توفره الجامعة، وتمويل تحدد مسؤوليته بوضوح، وموظف يستفيد ويلتزم. فتصبح الجامعة شريكاً في تطوير الكفاءات، لا ممولاً بديلاً عن المشغّلين.

 

الجامعة ليست خصماً… والاختلاف لا يبرر الإهانة

من أخطر ما يقع اليوم اختزال القضية في مواجهة بين «موظفين مظلومين» و«إدارة جامعية تريد تحصيل المال». فرئيس الجامعة ليس مشرعاً، والعمداء ليسوا مشرعين، والأساتيذ ليسوا واضعي السياسة المالية للدولة. ومن غير المقبول أن يتحول هؤلاء إلى هدف للسب والتشهير كلما طبقوا مقتضى قانونياً أو تنظيمياً لا يرضي فئة من الفئات.

من حق الطالب الموظف أن يعترض ويحتج، وأن يطالب بتفسير القرار وسنده القانوني، وأن يستعمل كل وسائل الطعن المشروعة إذا رأى أن حقاً قانونياً له قد انتهك.

لكن الحق في الاعتراض لا يتضمن الحق في الإهانة.

فالجامعة فضاء للنقاش والحجة والمعرفة. وإذا عجز من يلجها عن الدفاع عن موقفه إلا بالتجريح، فإنه يناقض أول ما يفترض أن تكون الجامعة قد علمته إياه: قوة الفكرة لا قوة الشتيمة. ومن المؤسف أن يطالب المرء بالانتماء إلى الجامعة، وفي اللحظة نفسها يهدم بألفاظه أبسط أخلاقيات هذا الانتماء: الاحترام.

 

لا تقابلوا الحسنى بالإساءة

لهؤلاء الموظفين أقول: لقد فتحت لكم الجامعة أبوابها، ولم تسألكم لماذا عدتم إليها بعد حصولكم على وظائفكم. رحبت بعودتكم إلى المعرفة، وأتاحت لكم تكويناتها، ويسرت حيث أمكن توقيت الدراسة بما يلائم التزاماتكم المهنية، ومنحتكم فرصة الحصول على شهادات وطنية جديدة. فلا تقابلوا الحسنى بالإساءة.

طالبوا بحقوقكم إن كانت لكم حقوق. ناقشوا الرسوم، واعترضوا عليها، واطلبوا سندها القانوني، ودافعوا عن مواقفكم بكل الوسائل المشروعة. لكن لا تجعلوا من أساتيذكم وعمدائكم ورؤساء جامعاتكم خصوماً لمجرد أنهم لم يستجيبوا لما تريدون. ولا تجعلوا من الإهانة بديلاً عن الحجة.

وتوجهوا في الوقت نفسه إلى مشغليكم. طالبوهم بسياسات حقيقية للتكوين المستمر، وببرامج تتلاءم مع حاجيات الوظائف والقطاعات، وبتمويل التكوين الذي يحتاجون إليه فعلاً. فمن يستفيد من تطوير كفاءاتكم المهنية مطالب أيضاً بتحمل مسؤوليته في تمويلها.

 

حين يدخل الاستثمار الانتخابي إلى المدرج

الأكثر إثارة للقلق أن تجد بعض الجهات الباحثة عن رصيد انتخابي في هذا الاحتقان فرصة للاستثمار فيه. فالدفاع عن الموظفين حق مشروع، ومساندة مطالبهم المشروعة جزء من العمل السياسي والنقابي. لكن المسؤولية تقتضي قبل تبني أي خطاب طرح أسئلة بسيطة: هل المطلب مؤسس قانوناً؟ من سيموله؟ ما أثره في موارد الجامعة؟ وهل تحقيقه لفئة تتقاضى أجوراً سيكون عادلاً تجاه آلاف الطلبة المتفرغين؟

أما اختزال القضية في شعار جذاب من قبيل «الدفاع عن مجانية التعليم» مع تجاهل هذه الأسئلة، فقد يحول حقاً أريد به الخير إلى أداة تخدم أغراضاً أخرى.

وهنا ينبغي الحذر من الاستثمار الانتخابي في الاحتقان الجامعي. فالجامعة ليست خزاناً انتخابياً، ولا ينبغي أن تتحول قراراتها الأكاديمية والمالية إلى أوراق للمزايدة السياسية. ومن السهل جداً المطالبة بالمجانية عندما يدفع شخص آخر الفاتورة. أما المسؤولية السياسية الحقيقية فتبدأ حين نجيب بوضوح: من سيدفع؟ وعلى حساب من؟ دافعوا عن المجانية بحمايتها لمن يحتاج إليها إن الدفاع عن الجامعة العمومية لا يعني أن تقدم كل شيء للجميع بالمجان مهما اختلفت أوضاع المستفيدين الاجتماعية والمهنية. بل قد يكون الدفاع الحقيقي عن المجانية هو حمايتها لمن يحتاج إليها فعلاً. والموارد التي تستهلكها الجامعة في استقبال موظف يتقاضى أجراً وتدريسه وتأطيره وتوفير الخدمات الجامعية له، هي نفسها موارد تحتاج إليها لتدريس وتأطير طالب متفرغ لا دخل له، ولم يحصل بعد على فرصة عمل، وربما ينتمي إلى أسرة لا تستطيع أن توفر له بديلاً عن الجامعة العمومية. وهذا الطالب ليس شخصاً مجهولاً بعيداً عنكم. قد يكون ابن أحدكم أو ابنته، أو أخاه أو أخته، أو قريباً له. وحين تطالبون بأن تخصص الجامعة من مواردها المحدودة لتغطية كلفة تكوين إضافي مجاني لموظف ذي دخل قار، اسألوا أيضاً: ألا يمكن أن تكون الكلفة غير المرئية لذلك مزيداً من الاكتظاظ، أو ضغطاً إضافياً على التأطير، أو نقصاً في التجهيز، أو تراجعاً في جودة ظروف دراسة طالب لم يحصل بعد على نصيبه من الفرص؟

إن الحقوق لا تقاس فقط بما نحصل عليه لأنفسنا، بل أيضاً بما نتركه متاحاً للآخرين. وقد تكون المفارقة أن يطالب موظف بمجانية شهادة ثانية أو ثالثة، بينما يعاني ابنه أو أخوه أو أحد أقاربه داخل الجامعة نفسها من الاكتظاظ وضعف التأطير ونقص الموارد التي يطالب هو بأن تتحمل منها الجامعة كلفة تكوينه الإضافي.

وهنا تصبح القضية أخلاقية بقدر ما هي مالية وقانونية. هل نحمي مجانية التعليم باعتبارها حقاً اجتماعياً يضمن تكافؤ الفرص، أم نحولها تدريجياً إلى امتياز يستفيد منه أيضاً من حصل على فرصته الأولى وأصبح قادراً على المساهمة في كلفة تكوين إضافي؟

لا يتعلق الأمر بإقصاء الموظف من الجامعة، ولا بمعاقبته لأنه يعمل. على العكس تماماً. ينبغي تشجيع الموظف على العودة إلى الجامعة وعلى التعلم طوال حياته المهنية. لكن تشجيع التعلم مدى الحياة لا يعني بالضرورة أن تتحمل الجامعة العمومية وحدها كلفته. فالإنصاف لا يعني أن نعطي الجميع الشيء نفسه بصرف النظر عن أوضاعهم، بل أن نضمن ألا تؤدي استفادة فئة إلى التضييق على الحقوق الأساسية لفئة أكثر حاجة. ومن هنا يصبح من المشروع أن نقول للموظف: دافع عن حقك في التكوين، نعم؛ لكن لا تجعل الطالب المتفرغ يؤدي فاتورته.

 

من رسوم التسجيل إلى سؤال العدالة

ربما آن الأوان لفتح نقاش وطني أكثر هدوءاً وجرأة حول دراسة الموظفين بالجامعة.

من يستفيد؟ وفق أي شروط؟ من يمول؟ ما مسؤولية المشغّل؟ ما حدود مساهمة المستفيد؟ كيف نضمن ملاءمة التكوين مع حاجيات القطاعات؟ وكيف نحمي، في الوقت نفسه، الحق في التعلم مدى الحياة، واستدامة الجامعة العمومية، وحق الطالب المتفرغ في تعليم مجاني ذي جودة؟

إن تحويل الجامعة إلى متهم لأنها تطالب بتطبيق القواعد، أو محاولة إخضاعها للضغط والإساءة، لن يحل المشكلة. الجامعة لا ينبغي أن تخضع للابتزاز، كما لا ينبغي أن تتعسف في استعمال سلطتها. والفيصل بين الطرفين واحد: القانون. لذلك فإن السؤال الذي بدأ برسوم التسجيل ينتهي إلى سؤال أكبر بكثير:

هل نريد جامعة توزع الامتيازات تحت الضغط، أم جامعة تحكمها قواعد واضحة، ويتحمل فيها كل طرف مسؤوليته: الجامعة في التكوين، والمشغّل في تطوير كفاءات موارده البشرية، والموظف في احترام المؤسسة التي عاد إليها، والدولة في حماية حق الطالب المتفرغ الذي لم يحصل بعد على فرصته الأولى؟

لأن حماية الجامعة العمومية لا تكون فقط بالدفاع عن مجانيتها. بل أيضاً بحماية مواردها، وصون كرامة نسائها ورجالها، وضمان ألا يصبح حق البعض في تكوين إضافي على حساب حق الآخرين في تعليمهم الأساسي.

 

عود على بدء

ليس الموظف خصماً للجامعة ولا الجامعة خصماً له. لكن لكل حق كلفة، ولكل كلفة مسؤول، ولكل مطالبة أخلاق ينبغي ألا تسقط تحت ضغط المصلحة. فالمشغّل مسؤول عن تطوير كفاءات موارده البشرية، والموظف مسؤول عن اختياراته واحترام المؤسسة التي عاد إليها، والجامعة مسؤولة عن جودة التكوين واستدامته، والدولة مسؤولة عن حماية مجانية التعليم وعدالة الاستفادة منها.

ويبقى الطالب المتفرغ أولى بألا ننساه؛ فقد يكون ابننا أو ابنتنا أو أخانا أو أختنا ممن لم يحصلوا بعد على فرصتهم الأولى. فلا نجعل حقاً في تكوين إضافي يزاحم حقاً أساسياً في التعليم، ولا نجعل المطالبة بحق مبرراً للإساءة إلى الجامعة.

 

 


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني