لم يعد النقاش، بعد البلاغ الصادر عن قطب المديرية العامة للأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، متعلقا فقط بصحة أو زيف ما تم تداوله خلال الأيام الماضية. فالمؤسسة الأمنية حسمت المسألة تقنيا وبعبارات لا تحتمل التأويل: لم يحدث أي اختراق لأنظمتها المعلوماتية أو لقواعد بياناتها الأمنية.
لكن القراءة الأهم تبدأ من هنا، ولا تنتهي هنا.
لأن البلاغ، عند تفكيك مضمونه، يقدم معطيات تسمح بفهم طبيعة ما جرى: بيانات حقيقية ولكن قديمة ومن مصادر أخرى، صور مفبركة، وثائق محرفة، هويات بصرية مزيفة، ثم رواية يتم بناؤها فوق كل ذلك لتقديم الخليط للرأي العام باعتباره دليلا على اختراق المنظومة الأمنية المغربية.
وهنا يكمن جوهر القضية.
الفرق الكبير بين «تسريب بيانات» و«اختراق أمني»
أول ما ينبغي الانتباه إليه هو الخلط الذي جرى الترويج له بين مفهومين مختلفين تماما: وجود بيانات شخصية متداولة من جهة، واختراق قواعد بيانات الأمن الوطني من جهة ثانية.
البلاغ الرسمي يفصل بين الأمرين بشكل قاطع.
فالمعطيات الشخصية المنشورة، بحسب قطب DGSN-DGST، ليست مستخرجة من الأنظمة الأمنية أصلا، وإنما يتعلق الأمر ببيانات قديمة جرى تحميلها من قواعد بيانات وأنظمة معلوماتية تشرف عليها شركات للتأمين وهيئات للتغطية الصحية والاجتماعية.
وهذه نقطة جوهرية.
لأن وجود اسم موظف أمني أو بيانات شخصية تخصه داخل ملف ما لا يعني، من الناحية التقنية، أن مصدر هذه البيانات هو قاعدة معلومات أمنية.
رجل الأمن، مثل غيره، يمكن أن توجد بياناته لدى شركة تأمين أو هيئة للتغطية الصحية والاجتماعية أو جهات أخرى تتعامل معه بصفته مؤمنا أو منخرطا أو مستفيدا من خدمة.
وبالتالي، فإن الانتقال من عبارة «هذه بيانات تخص رجال أمن» إلى استنتاج «إذن تم اختراق قواعد بيانات الأمن» ليس استنتاجا تقنيا، وإنما قفزة تحتاج إلى دليل مستقل يثبت مصدر البيانات وكيفية استخراجها.
وهذا بالضبط ما نفاه البلاغ الرسمي.
الأخطر: صناعة «دليل» لإسناد الرواية
لكن البلاغ لا يتوقف عند مصدر البيانات.
وهنا تظهر النقطة الأكثر إثارة للاهتمام.
فقطب الأمن تحدث عن تداول صور فوتوغرافية مفبركة يجري تقديمها على أنها لموظفات وموظفين في الأجهزة الأمنية، وعن مستندات ووثائق تعرضت للتحريف والتزوير قبل تقديمها باعتبارها وثائق أمنية.
إذا أخذنا هذه العناصر مجتمعة، فإننا لا نكون أمام مجرد خطأ في تفسير مصدر ملف متداول.
نكون أمام محتويات متفاوتة الطبيعة جرى تقديمها داخل سردية واحدة.
والتفاصيل التي أوردها البلاغ لافتة للغاية: أزياء نظامية غير مطابقة، رتب عسكرية غير موجودة أصلا في المغرب ولا يعمل بها الأمن الوطني، هويات بصرية مغلوطة، وأخطاء لغوية وصفها البلاغ بالمفضوحة.
وهذا مهم لأن الوثيقة الأمنية المزورة لا تصبح أصلية بمجرد وضع شعار رسمي في أعلاها، كما أن صورة شخص يرتدي زيا شبيها بزي الشرطة لا تصبح صورة لموظف أمني مغربي بمجرد إرفاقها باسم وبيانات شخصية.
إنها أبجديات التحقق الرقمي، لكنها تضيع بسهولة عندما تكون المادة مصممة أساسا لإحداث الصدمة.
لماذا يحتاج مروجو رواية «الاختراق» إلى الصور والوثائق؟
وهنا يمكن طرح سؤال مهني مشروع:
إذا كان هناك فعلا اختراق شامل لقواعد البيانات الأمنية كما زُعم، فلماذا تظهر الحاجة إلى إسناد الرواية بصور مفبركة ووثائق محرفة وعناصر تحمل أخطاء يمكن اكتشافها؟
الاختراق الحقيقي، إن وقع، تترك له عادة مؤشرات تقنية قابلة للفحص والتحليل، ويمكن إثبات طبيعة البيانات المستخرجة وبنية الملفات ومصدرها وسياقها.
أما عندما تختلط بيانات قديمة من مصادر خارج المؤسسة بوثائق مزيفة وصور مفبركة، فإن المسألة تصبح مختلفة تماما، ويصبح التدقيق في كيفية بناء الرواية ضروريا بقدر التدقيق في البيانات نفسها.
وهنا تحديدا يقدم البلاغ الرسمي مفتاحا مهما لفهم القضية.
نقطة تقنية بالغة الأهمية: الأنظمة الأمنية ليست متصلة أساسا بالشبكات المفتوحة
ومن أقوى ما ورد في البلاغ تأكيد قطب DGSN-DGST أن نظم المعطيات الأمنية المعنية «لا تتصل أساسا بالشبكات المفتوحة على الأنترنت».
هذه ليست تفصيلا عابرا.
فالبنية المعلوماتية الحساسة للدول لا تدار بالضرورة بالطريقة نفسها التي تدار بها المواقع والخدمات الرقمية المفتوحة للجمهور. وعزل الأنظمة الحرجة عن الشبكات المفتوحة يشكل إحدى آليات تقليص سطح الهجوم الإلكتروني.
وهذا لا يعني نظريا أن أي نظام معلوماتي في العالم محصن إلى الأبد من جميع المخاطر، لكنه يجعل الادعاء بوقوع اختراق محدد محتاجا إلى دليل تقني حقيقي، لا إلى منشورات مجهولة أو صور مركبة أو ملفات تضم بيانات شخصية سبق أن كانت موجودة لدى جهات أخرى.
لذلك، فإن قوة البلاغ تكمن في أنه لم يكتف بالقول: «لم نتعرض للاختراق».
بل قدم تفسيرا لمصدر البيانات المتداولة، وأشار إلى مؤشرات تزوير في المواد المصاحبة لها، وقدم معلومة تقنية بشأن طبيعة ربط الأنظمة الأمنية بالشبكات.
حرب الإدراك قبل أن تكون حرب معلومات
ما وقع يكشف أيضا مشكلة أوسع أصبحت تواجه الدول والمؤسسات في العصر الرقمي.
ففي حملات التضليل الحديثة، لا يشترط أن تكون كل معلومة كاذبة.
بل على العكس، قد تكون الطريقة الأكثر فعالية هي استعمال جزء من معلومات حقيقية، ثم وضعها داخل سياق زائف، وإضافة مواد مصطنعة إليها، وصولا إلى استنتاج لا تثبته المادة الأصلية.
وهنا يصبح المواطن أمام ملف يحمل أسماء حقيقية وربما أرقاما أو بيانات صحيحة، فيفترض تلقائيا أن الرواية المصاحبة للملف صحيحة هي الأخرى.
بينما قد يكون السؤال الحقيقي الذي ينبغي طرحه مختلفا تماما:
من أين جاءت هذه البيانات؟
وجود بيانات صحيحة لا يثبت صحة الرواية التي أرفقت بها.
وهذه قاعدة أساسية ينبغي ترسيخها في التعامل مع ما يسمى اليوم بـ«التسريبات».
لماذا استهدفت الرواية المؤسسة الأمنية تحديدا؟
هذا سؤال آخر يستحق التفكير.
فالمؤسسة الأمنية ليست إدارة عادية، وأي ادعاء باختراق قواعد بياناتها يحمل تلقائيا شحنة نفسية وإعلامية أكبر بكثير من الادعاء باختراق مؤسسة مدنية.
الرسالة التي تصل إلى المواطن من عنوان مثل «اختراق الأمن المغربي» تتجاوز قضية معلوماتية تقنية؛ فهي تمس الشعور بقدرة الدولة على حماية أسرارها ومؤسساتها وأفرادها.
لذلك، فإن خطورة الأخبار الزائفة في مثل هذه الملفات لا تقاس فقط بعدد الأشخاص الذين صدقوها، وإنما بطبيعة الثقة التي تستهدفها.
ومن هنا يصبح التحقق الصارم واجبا مهنيا، خصوصا بالنسبة للصحافة التي ينبغي ألا تتحول إلى مجرد حلقة ثانية في سلسلة توزيع محتوى مجهول المصدر.
رقم «70 ألف شرطي» لا يصنع حقيقة بمجرد تكراره
وخلال الأيام الماضية، جرى تداول أرقام ضخمة لإعطاء الرواية وقعا أكبر، وفي مقدمتها الحديث عن بيانات عشرات الآلاف من موظفي الأمن.
لكن الأرقام، مهما كانت مثيرة، لا تجيب عن السؤال الأساسي:
هل جاءت البيانات من قاعدة أمنية؟
الجواب الرسمي الصادر عن المؤسسة المعنية هو: لا.
بل حدد البلاغ طبيعة المصادر التي تعود إليها البيانات المنشورة، ونفى أن تكون حصيلة اختراق لأنظمة المعلومات الأمنية.
وبالتالي، فإن من يريد الاستمرار في الادعاء بعكس ذلك يصبح مطالبا بتقديم دليل تقني قابل للتحقق، وليس بمجرد إعادة نشر الملف نفسه أو تكرار الرواية ذاتها.
البلاغ لم يغلق الملف… بل فتح الجزء القضائي منه
وثمة تفصيل آخر مهم للغاية.
القطب الأمني لم يكتف بالتفنيد ثم يعتبر القضية منتهية.
بل أعلن أن الأبحاث والتحريات الأمنية ستظل متواصلة تحت إشراف النيابة العامة المختصة من أجل ضبط وتوقيف المتورطين في فبركة وإعداد هذه المحتويات الزائفة ونشرها للعموم.
وهنا تنتقل القضية من مرحلة الحرب الإعلامية إلى مرحلة البحث القضائي.
وسيصبح السؤال، بالنسبة إلى المحققين، أوسع من مجرد معرفة ما إذا كان الاختراق قد وقع أم لا، بعدما نفت المؤسسة ذلك بشكل قاطع.
السؤال سيصبح: من أعد المواد المزيفة؟ من قام بتحريف الوثائق؟ كيف جرى الحصول على البيانات القديمة؟ كيف تم تجميعها؟ من نشرها؟ وهل هناك تنسيق بين مختلف حلقات إنتاجها وتوزيعها؟
والأجوبة، إن توصلت إليها التحقيقات، قد تكون أهم بكثير من الضجيج الذي صاحب ظهور الملفات نفسها.
لا ينبغي أيضا الوقوع في الفخ المعاكس
ومع ذلك، هناك مبدأ ينبغي التشبث به.
الدفاع عن المؤسسات لا يعني أن كل معلومة تنتقد مؤسسة رسمية تصبح تلقائيا مؤامرة، كما أن مكافحة التضليل لا ينبغي أن تتحول إلى رفض للنقد أو التحقيق الصحفي.
المعيار يجب أن يكون واحدا: الدليل.
من يمتلك وثيقة، فليثبت مصدرها. ومن يدعي اختراق نظام معلوماتي، فليقدم المؤشرات التقنية التي تثبت ذلك. ومن تتهمه السلطات بفبركة محتوى أو تزوير وثيقة، فله ضماناته القانونية، والقضاء هو الذي يحدد المسؤوليات.
بهذه القاعدة وحدها يمكن التفريق بين الصحافة والتحريض، وبين التسريب الحقيقي والفبركة، وبين النقد المشروع وحملات التضليل.
بعد البلاغ… الكرة في ملعب مروجي الرواية
اليوم، وبعد صدور موقف رسمي مفصل، تغيرت المعادلة.
لم يعد كافيا نشر صورة شاشة وكتابة عبارة «اختراق خطير»، ولا تقديم ملف يحتوي بيانات شخصية باعتباره تلقائيا قاعدة بيانات أمنية.
هناك نفي رسمي قاطع، وهناك تفسير معلن لمصدر البيانات، وهناك مؤشرات محددة على التزوير والفبركة، وهناك تحقيق قضائي جار.
لذلك يصبح العبء على من يصر على الرواية المقابلة أن يقدم ما يثبتها.
وفي زمن أصبحت فيه صناعة الوثيقة المزيفة والصورة المركبة أكثر سهولة من أي وقت مضى، فإن أخطر ما يمكن أن نفعله هو قياس صدقية الأخبار بمدى إثارتها.
الخلاصة إذن ليست فقط أن الأمن المغربي نفى تعرض أنظمته للاختراق. الخلاصة الأعمق هي أننا أمام نموذج ينبغي دراسته في صناعة التضليل: بيانات قديمة ذات أصل مختلف، مواد مفبركة، وثائق محرفة، ثم سردية ضخمة يجري بناؤها فوقها لإقناع الجمهور بأن قلب المنظومة الأمنية المغربية قد اخترق.
أما الحقيقة التقنية والقضائية الكاملة، فإن استجلاء ما تبقى منها أصبح اليوم بين أيدي التحقيق الجاري تحت إشراف النيابة العامة.
وعندها قد لا يكون السؤال الأهم: هل اخترقوا الأمن المغربي؟
فقد جاء الجواب الرسمي واضحا: لا.
بل قد يصبح السؤال الأكثر أهمية: من حاول إقناع المغاربة بأن ذلك حدث، وكيف ولماذا؟







