هل أصبحت أغاني الراب جريمة تقود إلى السجن؟

عبده حقي

ثمة لحظات تكشف فيها قضية صغيرة الحجم عن حقيقة نظام سياسي بأكمله، وليس ضرورياً دائماً أن تأتي هذه الحقيقة عبر انتخابات مزورة أو اعتقالات جماعية أو محاكمات سياسية مدوية؛ فقد تختصر أغنية واحدة أحياناً المسافة كلها بين الدولة الواثقة من نفسها والدولة التي ترتعب من الكلمات. وهذا بالضبط ما تطرحه قضية الرابر الجزائري المعروف فنياً باسم SD4، الذي تشير المعطيات الواردة في المادة المتداولة حول قضيته إلى أنه حُكم عليه بالسجن سنة نافذة بعد نشر أغنية تناول فيها العلاقات الجزائرية المغربية وانتقد حالة العداء والتوتر بين البلدين.

لا أرى في هذه القضية مجرد نزاع قضائي حول كلمات أغنية، بل أراها مؤشراً مقلقاً على طبيعة العلاقة التي يريد النظام الجزائري فرضها بين السلطة والمجتمع، وبين الدولة والفنان، وبين السياسة وحرية التعبير. فحين تصبح الكلمات التي تدعو إلى التقارب بين شعبين سبباً في دخول صاحبها السجن، فإن السؤال لم يعد: ماذا قال الفنان؟ بل: ما الذي تخشاه السلطة إلى هذا الحد في أغنية؟

الأغنية تحمل عنوان «زوج بغال»، وهو اسم المعبر الحدودي المعروف بين المغرب والجزائر، وقد استُخدم في العمل الفني بوصفه رمزاً لواحدة من أكثر المفارقات السياسية إيلاماً في المغرب الكبير: شعبان تجمعهما روابط التاريخ والثقافة واللغة والعائلات والجغرافيا، لكن الحدود البرية بينهما مغلقة منذ سنة 1994، فيما تتفاقم القطيعة السياسية ويتحول الخلاف بين الحكومتين إلى جدار نفسي يتسلل شيئاً فشيئاً إلى وعي المواطنين.

وهنا تكمن حساسية الأغنية بالنسبة إلى السلطة الجزائرية. فهي لا تكتفي، وفق مضمون المادة، بإدانة الخلاف بين المغرب والجزائر، بل تحاول تفكيك الخطاب الذي يصور الشعبين وكأنهما عدوان تاريخيان. إنها تقول، في جوهرها، إن الصراع سياسي وإن الشعبين ليسا مضطرين إلى وراثة خلاف الحكومات جيلاً بعد جيل.

وهذا بالضبط هو النوع من الخطاب الذي يبدو أن النظام الجزائري لا يريد له أن يتحول إلى سؤال جماهيري واسع.

فالسلطة التي تمتلك شرعية سياسية صلبة لا تخاف من مغنٍ، والدولة الواثقة من مؤسساتها لا تحتاج إلى السجن كي ترد على أغنية، والنظام الذي يحترم شعبه لا يتعامل مع السخرية والغضب والاحتجاج الفني وكأنها تهديد للأمن القومي. أما عندما يتحول الراب إلى ملف قضائي، ويتحول مقطع غنائي إلى قضية دولة، فإننا نصبح أمام أزمة أعمق من الكلمات التي وردت في الأغنية نفسها.

المعلومات الواردة تشير إلى أن الفنان اعتُقل يوم 28 أغسطس 2026، ووضع تحت الحراسة النظرية، ثم أُحيل في اليوم التالي إلى المحاكمة وفق إجراء المثول الفوري، قبل أن يصدر بحقه حكم بالسجن سنة نافذة مع الإيداع الفوري. كما تذكر المادة أن من بين التهم الموجهة إليه إهانة رئيس الجمهورية بسبب إشارات وردت في الأغنية إلى الرئيس عبد المجيد تبون.

إن صحت هذه الرواية، فإن أكثر ما يثير القلق ليس الحكم وحده، بل السرعة المذهلة التي انتقلت بها القضية من الاعتقال إلى السجن.

ماذا يعني أن يُعتقل فنان، ويُستجوب، ويُحال إلى القضاء، ثم يجد نفسه خلف القضبان في نحو أربع وعشرين ساعة؟

أين المساحة التي يحتاجها الدفاع لقراءة الملف وإعداد الحجج القانونية؟ وأين النقاش حول طبيعة الفن الساخر وحدود المبالغة والاستفزاز في الراب؟ وأين التفريق بين خطاب سياسي مزعج وبين جريمة حقيقية تستوجب سلب الإنسان حريته؟

إن النظام الجزائري، إذا كان يريد إقناع مواطنيه والعالم بأنه دولة مؤسسات، لا يمكنه أن يطالب بالاحترام ثم يتعامل مع النقد باعتباره إهانة، ولا أن يتحدث عن الجمهورية ثم يضع رئيس الجمهورية فوق النقد السياسي والفني. الرئيس، أي رئيس، شخصية عامة، ومن يدخل المجال العام يدخل معه أيضاً إلى فضاء النقد والسخرية والاعتراض، وكل محاولة لإحاطة الحاكم بهالة قانونية تمنعه من النقد تعيد الدولة من منطق الجمهورية إلى منطق التقديس السياسي.

المشكلة الأكبر أن هذه القضية، كما تقدمها المادة الأصلية، ليست معزولة عن مناخ أوسع يتعلق بحرية التعبير والفن في الجزائر. الكاتب الأصلي للنص يعتبر أن سجن SD4 يمثل امتداداً لتضييق سياسي أوسع، ويرى أن أزمة العلاقات مع المغرب أصبحت موضوعاً بالغ الحساسية لا تسمح السلطة بسهولة بالخروج فيه عن الرواية الرسمية.

وهنا أصل إلى جوهر المسألة.

النظام الجزائري لا يحتاج إلى مزيد من الخطب حول السيادة والقوة والكرامة الوطنية، بل يحتاج قبل كل شيء إلى أن يتصالح مع حق الجزائريين في الاختلاف معه. فالسيادة التي تحتاج إلى حماية نفسها من أغنية سيادة هشة، والدولة التي تشعر بأن استقرارها مهدد بسبب مغنٍّ شاب ليست دولة قوية كما تحاول أن تبدو، بل دولة تعاني خوفاً مزمناً من المجال العام.

والنظام الذي يريد أن يبقى وحده مالكاً لتعريف الوطنية والخيانة، والصداقة والعداء، والمسموح والممنوع، يتحول تدريجياً إلى سلطة لا تدير المجتمع بقدر ما تدير صمته.

وهذه هي المعضلة الجزائرية اليوم: ليس المطلوب من المواطن أن يحب وطنه فقط، بل أن يحبه بالطريقة التي تحددها السلطة، وليس المطلوب منه أن يتحدث عن المغرب فقط، بل أن يتحدث عنه داخل الحدود التي يرسمها الخطاب الرسمي، وليس المطلوب منه أن ينتقد، بل أن ينتقد كل شيء ما عدا مركز السلطة نفسه.

وحين تصبح العلاقة بين الجزائر والمغرب من المحرمات السياسية، فإننا لا نكون أمام مجرد خلاف دبلوماسي، بل أمام محاولة لتحويل الجغرافيا السياسية إلى عقيدة داخلية.

لقد مضت عقود على إغلاق الحدود بين البلدين، وأجيال كاملة من الجزائريين والمغاربة نشأت وهي لا تعرف الجار إلا عبر نشرات الأخبار والخطب السياسية وشبكات التواصل الاجتماعي. واستمرار هذا الوضع ليس انتصاراً لأي طرف، بل فشل مغاربي تاريخي تدفع ثمنه الشعوب أكثر مما تدفعه الأنظمة.

الحدود المغلقة لا تمنع الأفكار، لكنها تمنع التجارة والسفر واللقاء العائلي والتعاون الاقتصادي. والخطاب العدائي لا يبني دولة، لكنه يستهلك طاقات المجتمع في خصومة دائمة. وكل سنة تمر على هذا الوضع تعني مزيداً من الفرص الضائعة في التنمية والتكامل الإقليمي.

لهذا تبدو أغنية SD4، مهما كان مستواها الفني ومهما كانت حدة لغتها، أكثر عقلانية من كثير من الخطابات الرسمية التي سمعناها خلال السنوات الماضية؛ فهي، بحسب المادة الأصلية، تقول ببساطة إن الشعبين ليسا عدوين، وإن الصراع السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى كراهية شعبية دائمة.

فهل أصبحت الدعوة إلى المصالحة خطراً على الدولة الجزائرية؟

إذا كان الجواب نعم، فنحن أمام مشكلة سياسية عميقة.

ولا يقل إزعاجاً عن موقف السلطة ذلك الصمت الذي يحيط بالقضية داخل جزء من الوسط الفني. فالمادة تنتقد عدداً من نجوم الراب الجزائري الذين يمتلكون جماهير بالملايين ولم يعلنوا، بحسب صاحب النص، موقفاً واضحاً من قضية زميلهم.

الفنان الذي يغني عن الحرية ثم يصمت عندما يُسجن فنان آخر بسبب أغنية يجد نفسه أمام اختبار أخلاقي حقيقي. فالحرية ليست لازمة موسيقية جميلة نرددها أمام الجمهور، وليست شعاراً تجارياً يُباع في المهرجانات، بل موقف يظهر قيمته عندما تصبح له كلفة.

وقد يكون الخوف مفهوماً في نظام تضيق فيه مساحة التعبير، لكن الخوف الجماعي هو أيضاً ما يجعل هذه الأنظمة أكثر قدرة على التوسع في القمع.

لهذا فإن قضية SD4 تتجاوز صاحبها. إنها قضية الحق في أن يقول الجزائري إن العداء مع المغرب ليس قدراً، وإن قطيعة البلدين عبث سياسي، وإن النظام يمكن أن يخطئ، وإن الرئيس يمكن أن يُنتقد، وإن الأغنية ليست جريمة.

أما تحويل كل خطاب سياسي حاد إلى ملف جنائي، فإنه لا يحمي الجزائر، بل يضعف صورتها ويمنح خصومها أفضل الحُجج ضدها.

 

 


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني