الأحزاب السياسية وشعار “زوق تبيع”!

استعدادا للانتخابات التشريعية المقرر إجراؤها يوم الأربعاء 23 شتنبر 2026 من أجل اختيار أعضاء مجلس النواب، وبعد إنهائها عملية تغطية جميع الدوائر الانتخابية وتوزيع التزكيات على من تراهم أهلا للظفر بالمقاعد النيابية، شرعت الأحزاب السياسية في عرض برامجها الانتخابية، تحت شعار “زوق تبيع”، وهي تراهن على أن تكون مضامين برامجها ذات جاذبية وتتقاطع مع مطالب الجماهير الشعبية، وتتمكن بالتالي من حصد أكبر عدد ممكن من الأصوات الانتخابية، للحصول على المراتب الأولى…
ففي إطار ما تشهده بلادنا من تسابق بين الأحزاب السياسية، التي تريد جميعها استغلال هذه الفرصة للتعريف أكثر بنفسها وتقديم مرشحيها وبرامجها الانتخابية في أحسن حلة شكلا ومضمونا، يمكن أن نستحضر هنا تلك العبارة المتداولة على نطاق واسع في عدة مجالات “زوق تبيع”، التي تشير بوضوح إلى مدى أهمية التفنن في تقديم المنتوجات والتنسيق الجمالي في جلب الزبائن للإقبال الكثيف عليها، إذ تظهر كيف أن منتوجات عادية تصبح رفيعة المستوى بفضل تحسين العرض سواء تعلق الأمر بالخضر والفواكه، أو اللحوم والأسماك أو حتى السير الذاتية “CV” بالنسبة لطلب الشغل وغيره…
لذلك لا غرو أن يجد المواطنون المغاربة جميع الأحزاب السياسية على اختلاف ألوانها سواء تلك التي كانت في الأغلبية الحكومية والمساندة لها أو في المعارضة، تقترح حلولا “سحرية” لعديد المشاكل المطروحة منذ عقود، وخاصة في عهد حكومة عزيز أخنوش الرئيس السابق لحزب “التجمع الوطني للأحرار”، ومنها مثلا تخفيض أسعار المواد الأساسية، الرفع من معاشات المتقاعدين، النهوض بمنظومتي الصحة والتعليم، الحد من ظاهرة الهدر المدرسي، خلق فرص شغل ملائمة لآلاف العاطلين الشباب، مكافحة مختلف مظاهر الفساد والريع، تسقيف هامش الربح في المحروقات، إلغاء تسقيف سن الولوج لأسلاك التعليم، وغيرها من المطالب التي ما انفكت الجماهير الشعبية والنقابات العمالية تنادي بها على مدار السنوات…
فقد سارعت الأحزاب الرئيسية إلى تقديم برامجها الانتخابية في وقت مبكر، ولنأخذ مثلا حزب “التجمع الوطني للأحرار”، باعتباره الحزب الأول الذي يقود الائتلاف الحكومي الثلاثي الحالي، حيث نجده يتعهد في برنامجه الانتخابي الحامل لشعار “كرامة وفرص للجميع” بإحداث مليون منصب شغل، الرفع من الحد الأدنى للأجور إلى 5000 درهم وخلق “درع اجتماعي للحفاظ على القدرة الشرائية” وأنه مثله مثل باقي الهيئات السياسية الأخرى المتنافسة فيما بينها، يركز إلى جانب اهتمامه بالقوة الشرائية للمواطنين، على الخدمات العمومية والشغل والصحة والتعليم، ويؤكد أن الولاية التشريعية المقبلة خلال الفترة الممتدة ما بين 2026 و2031 ستشكل طفرة نوعية ومرحلة حاسمة في التنزيل الفعلي للدولة الاجتماعية، كما يريدها صاحب الجلالة والمهابة الملك محمد السادس، أدام الله نصره وعزه…
ثم ننتقل بعد ذلك إلى حزب الأصالة والمعاصرة الحليف الأول في التحالف الحكومي الذي تحول في الأيام الأخيرة إلى خصم شرس لحزب “الأحرار”، فهو إلى جانب الإعلان صراحة عن دعمه لرفع “السميك” إلى 5000 درهم والمطالبة بإقرار ذلك قبل نهاية الولاية التشريعية في أقرب مجلس حكومي، يقدم حزمة من الالتزامات لمعالجة عديد الملفات الاجتماعية والاقتصادية، من قبيل القدرة الشرائية والحماية الاجتماعية، التشغيل والتعليم والصحة والسكن وغيره، ويتعهد بإعادة الأسعار إلى مستوياتها الطبيعية، بالإضافة إلى اقتراح مجانية فاتورة استهلاك الكهرباء في حدود 100 درهم شهريا، ويرفع شعار “لا معاش بعد الآن دون 3000 درهم” مع تحديد حد أدنى للدعم الاجتماعي المباشر في 1000 درهم، إيلاء فئة الشباب أهمية خاصة والالتزام أيضا برفع معاش الأرملة إلى 100 في المائة من معاش الزوج المتوفى عوض الإبقاء على 50 في المائة فقط المعمول به حاليا…
وفي المقابل نجد أن برامج أحزاب المعارضة تتشابه مع برامج أحزاب الأغلبية، ذلك أن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية اختار شعار “التنمية العادلة” عنوانا لبرنامجه الانتخابي، مؤكدا أنه يراهن على تحويل النمو الاقتصادي إلى رافعة للعدالة الاجتماعية والمجالية، وربط أداء المؤسسات بتحسين حياة المواطنين اليومية. حيث أنه يلتزم بحماية القدرة الشرائية وتحسين الولوج إلى التعليم والصحة والسكن والحماية الاجتماعية، إنصاف النساء والرفع من دخل المتقاعدين وصون كرامتهم، تشديد أسس الوقاية من تضارب المصالح وتعزيز الشفافية والحكامة…
كما طرح حزب الحركة الشعبية وثيقة سياسية تحت عنوان “التعاقد الحركي” تحتوي على عدد من الإجراءات والالتزامات في مجالات اجتماعية واقتصادية مختلفة، منها مثلا حماية القدرة الشرائية، النهوض بالتشغيل والتعليم والصحة والقطاع الفلاحي والتنمية القروية والأمازيغية والسكن والبيئة. إحداث منصة رقمية وطنية لرصد أسعار المواد الأساسية وتحيينها يوميا، تخصيص دعم بقيمة 500 درهم لتدريس أبناء الأسر المعوزة، رفع سن ولوج مهن التدريس إلى 45 سنة بدل 35 سنة، واقتراح تعويض مؤقت قدره ألف درهم لحملة الشهادات العليا المعطلين في حدود سنة واحدة، وغير ذلك…
إن المتفحص لبرامج الأحزاب الانتخابية سواء تلك التي في الحكومة والمساندة لها أو في المعارضة، سيقف على حقيقة واحدة هي أنها تكاد لا تختلف كثيرا عن بعضها البعض من حيث الشعارات والوعود والالتزامات، في الوقت الذي لم يعد فيه المغاربة بحاجة إلى مزيد من التنميق والتزويق ودغدغة العواطف، بقدر ما هم أكثر حاجة إلى استرجاع الثقة وتفعيل المقتضى الدستوري “ربط المسؤولية بالمحاسبة” والإعلان عن تعاقد سياسي وأخلاقي، ناهيكم عن الشفافية والحكامة الجيدة…
اسماعيل الحلوتي


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني