شبهات غش تهز مباراة أساتذة التخدير والإنعاش بالدار البيضاء.. هاتف داخل قاعة الامتحان ومحضر بعد احتجاج المترشحين
عادت مباريات التوظيف في قطاع الصحة إلى واجهة الجدل من جديد، وهذه المرة من بوابة مباراة توظيف الأساتذة المساعدين في شعبة التخدير والإنعاش، التي جرت يوم 16 يوليوز 2026 بأحد المراكز الاستشفائية الجامعية بالدار البيضاء، بعدما تفجرت داخل قاعة الامتحان واقعة أثارت احتجاج عدد من المترشحين ودفعت عميدة الكلية إلى التدخل شخصياً لإنهاء حالة التوتر وتوثيق ما جرى.
والعجيب أن إدارة الكلية لم تعلن إلى حد الآن عن اتخاذ أي إجراء، قبل ان يتفاجأ الجميع بمشاركة نفس الطبيبة المتهمة بالغش في مباراة الأساتذة بأكادير يوم 21 شتنبر 2026.
فلو كانت الإدارة قد قامت بالمتعين، لما وجدت المعنية سبيلا إلى المشاركة في مباراة أخرى وبمدينة أخرى، رغم ادعاء تحرير محضر في الموضوع، وهو ما يجعل البعض يتحدث عن شبهة تستر.
لذلك، يطالب المعنيون بفتح تحقيق من طرف المفتش العام لوزارة الصحة للوصول إلى الحقيقة.
وحسب مصادر “كواليس” الإلكترونية، فإن المباراة عرفت تنافس 13 مترشحا ومترشحة على ثمانية مناصب، قبل أن يفاجأ عدد من المشاركين، أثناء الاختبار الكتابي، باستعمال إحدى المترشحات هاتفها المحمول داخل قاعة الامتحان، في مخالفة صريحة للقواعد المنظمة للمباريات، والتي تمنع عادة إدخال الهواتف والأجهزة الإلكترونية إلى فضاء الاختبار.
المثير في الواقعة، وفق المصادر نفسها، لم يكن فقط استعمال الهاتف، وإنما الطريقة التي تم بها التعامل الأولي مع المخالفة. فبدل اتخاذ إجراء فوري وتوثيق الواقعة في محضر، جرى الاكتفاء، حسب الرواية المتداولة، بتنبيه المترشحة شفوياً، وهو ما أثار غضب باقي المشاركين الذين اعتبروا أن مجرد التحذير لا يمكن أن يكون بديلاً عن تطبيق القواعد نفسها على الجميع.
جوهر القضية لا يتعلق فقط بسلوك مترشحة داخل قاعة الامتحان، وإنما بمبدأ المساواة بين جميع المتنافسين. فالمباراة المهنية لا يمكن أن تستقيم إذا كان أحد المترشحين يخضع للقواعد بينما يحصل آخر على فرصة لمواصلة الامتحان بعد ضبط مخالفة مرتبطة بوسيلة إلكترونية يمكن أن تؤثر مباشرة في تكافؤ الفرص.
وتفيد المعطيات المتداولة بأن احتجاج المترشحين تصاعد بعدما لم يجدوا في التعامل الأولي مع الواقعة ما يطمئنهم إلى وجود مسطرة موحدة، قبل أن تتدخل عميدة الكلية وتأمر، بحسب المصادر، بتحرير محضر في النازلة ومنع المترشحة المعنية من مواصلة المباراة.
وهنا تطرح القضية سؤالاً أكبر من مجرد واقعة غش محتملة: ماذا يحدث عندما يتم ضبط مخالفة داخل مباراة عمومية، ثم لا يتم التعامل معها منذ اللحظة الأولى وفق المسطرة المعتمدة؟
فالشفافية في مباريات التوظيف لا تبدأ عند إعلان النتائج، وإنما تبدأ داخل قاعة الامتحان، حيث يجب أن تكون القاعدة واحدة على الجميع، وأن يكون التعامل مع المخالفات سريعاً وواضحاً وقابلاً للتوثيق، حتى لا تتحول الشكوك إلى أزمة ثقة في المباراة برمتها.
كما تبرز مسؤولية المشرفين والمراقبين عن الامتحان في ضمان احترام شروط اجتياز المباراة. فالمترشح الذي يدخل إلى القاعة وهو يعلم أن الهاتف ممنوع يجب أن يدرك أن استعماله سيترتب عنه الإجراء نفسه الذي يطبق على أي مترشح آخر، دون تمييز أو تردد.
وبعيداً عن الجانب الجنائي، فإن الواقعة تفرض على إدارة المؤسسة والجامعة، إن ثبتت تفاصيلها، توضيح المسطرة التي اتبعت منذ لحظة ضبط استعمال الهاتف إلى غاية تدخل العمادة، والإجراءات التي اتخذت لضمان عدم تأثير الحادث على نزاهة المباراة.
كما يحق للمترشحين، الذين وجدوا أنفسهم في منافسة على ثمانية مناصب فقط، أن يعرفوا ما إذا كانت الواقعة قد وثقت رسمياً، وما إذا كانت جميع الإجراءات المتخذة كانت متطابقة مع القواعد المنظمة للمباراة.
والملف يكتسي حساسية أكبر بالنظر إلى طبيعة التخصص نفسه. فالتخدير والإنعاش من التخصصات الطبية التي ترتبط مباشرة بحياة المرضى وسلامتهم، وبالتالي فإن مباريات تكوين وتوظيف الأطر التي ستتولى مسؤوليات أكاديمية وطبية لا تحتمل أي تساهل في معايير النزاهة والكفاءة.
المسألة هنا ليست صراعاً بين مترشحين، ولا مجرد احتجاج عابر داخل قاعة امتحان. إنها قضية مبدأ: هل يحصل جميع المتنافسين على الفرصة نفسها وتطبق عليهم القواعد نفسها؟
وتزداد الأسئلة إلحاحاً مع الإشارة إلى أن مباريات سابقة في التخصص نفسه أثارت بدورها احتجاجات وانتقادات بشأن نتائجها، وهو ما يجعل من الضروري التعامل مع الواقعة الحالية بأقصى درجات الوضوح، حتى لا تتراكم الاحتجاجات وتتحول إلى فقدان للثقة في آليات الانتقاء والتوظيف.
فالمترشح الذي يقضي سنوات في الدراسة والتكوين ثم يدخل مباراة مصيرية على عدد محدود من المناصب، لا يطلب امتيازاً، وإنما يطلب شيئاً بسيطاً: أن تطبق القاعدة على الجميع.
ومن حق الرأي العام كذلك أن يعرف ما إذا كانت الجهات المسؤولة قد فتحت تحقيقاً إدارياً في ملابسات الواقعة، وما إذا تم رفع تقرير إلى رئاسة الجامعة، وما إذا كانت المحاضر المنجزة ستخضع للمراجعة القانونية والإدارية اللازمة.
كما يبقى السؤال مطروحاً بشأن المآل التأديبي والقانوني للمترشحة التي نسبت إليها واقعة استعمال الهاتف، في حال تأكدت المخالفة رسمياً، وبشأن مدى احترام الإجراءات المعمول بها في مثل هذه الحالات.
والأهم من كل ذلك هو ألا تنتهي القضية بمجرد منع مترشحة من مواصلة الامتحان، إذا كانت هناك بالفعل ملابسات أخرى تتعلق بكيفية تعامل المراقبين مع الواقعة في بدايتها. لأن تطبيق العدالة في المباريات لا يعني فقط معاقبة من يخالف القواعد، وإنما يعني أيضاً مساءلة كل من يثبت أنه قصّر في واجبه في حماية نزاهة الامتحان.
مباريات التوظيف ليست مجالاً للتسامح مع الغش، ولا مساحة للمجاملات، ولا اختباراً لقدرة المترشحين على معرفة من يمكنه تجاوز القواعد ومن لا يستطيع.
وفي مباراة يتنافس فيها 13 شخصاً على ثمانية مناصب، فإن أي امتياز غير مشروع، ولو كان لدقائق معدودة، يمكن أن يتحول إلى مساس مباشر بمصالح بقية المتنافسين.







