في تصريح له واضح وصريح خلال تجمع خطابي يوم 7 شتنبر 2026 بمدينة أزيلال، قبل انطلاق الحملة الانتخابية رسميا لانتخاب أعضاء مجلس النواب المقرر إجراؤه يوم الأربعاء 23 شتنبر 2026، أكد فوزي لقجع الوزير المنتدب لدى وزيرة المالية المكلف بالميزانية، وعضو المكتب السياسي لحزب “الأصالة والمعاصرة”، أن حكومة أخنوش صرفت خلال فترة ولايتها في السنوات الخمس الماضية 280 مليار درهم، من أجل دعم القدرة الشرائية، دون بلوغ الأثر المنشود على حياة الأسر المغربية، أمام مسلسل ارتفاع أسعار المحروقات وانعكاسها على أسعار باقي المواد الغذائية…
وهو التصريح الذي فضلا عن أنه أثار جدلا واسعا بين المواطنين وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، واستغرب له الكثير من المتتبعين للشأن العام والفاعلين السياسيين، أثار حفيظة قادة أحزاب المعارضة الذين سارع بعضهم إلى توجيه انتقادات حادة ومباشرة لرئيس الحكومة حول سوء تدبير المال العام، وطالبوا بفتح تحقيق قضائي عاجل وتفعيل المبدأ الدستوري “ربط المسؤولية بالمحاسبة” من خلال مقاضاة المسؤولين عن تبخر مثل هذه الميزانية الكبرى من أموال الشعب. إذ كيف يعقل والحالة هذه أن تنفق حكومة قيل عنها إنها “حكومة الكفاءات” مبالغ بمثل هذا الكم الضخم دون أن تترك أي أثر على المعيش اليومي للطبقات الفقيرة والمتوسطة؟ ثم ما هو دور مؤسسات الحكامة والرقابة المالية والقضاء، حيال مثل هذه التصريحات، للتأكد من مدى صحتها وإن كانت هناك فعلا اختلالات تستدعي المساءلة والمحاسبة؟
فما جاء على لسان الوزير المكلف بالميزانية في الحكومة الحالية فوزي لقجع، كان يفترض أن يكون ليس فقط موضوع أسئلة برلمانية ولجان تقصي الحقائق للبحث في الاختلالات التي أدت إلى تبديد المال العام بهكذا رعونة، بل كذلك موضوع تحقيقات قضائية، باعتباره جريمة خطيرة ينص عليها الفصل 241 من القانون الجنائي. ثم أين نحن من أجهزة الرقابة بكل أشكالها، بعد اعتراف وزير الميزانية بوجود “فراقشية”، وصفهم أمام الملأ ب”الإرهابيين الحقيقيين”، خاصة أنهم لهفوا ملايير الدعم العمومي بلا حسيب ولا رقيب؟ فمن يا ترى ظل يتستر عنهم طوال كل هذه المدة؟ وهكذا يبقى الكثير من الأسئلة الحارقة معلقا بخصوص ما حدث من تقصير وسوء تدبير…
وهو الإنفاق العشوائي الذي أعاد إلى الأذهان ما ورد في الخطاب الملكي التاريخي، الذي وجهه الملك محمد السادس في 30 يوليوز 2014 إلى الأمة بمناسبة الذكرى 15 لتربعه على عرش أسلافه الميامين، حيث تساءل باستغراب شديد عن دواعي سوء توزيع ثروة البلاد على المواطنين، أمام ارتفاع الفوارق الاجتماعية والمجالية، لاسيما أنه لم يعد مقبولا استمرار قلة من الشخصيات المدنية والعسكرية ورجال الأعمال المحظوظين في استنزاف الميزانية العامة للبلاد واحتكار ثرواتها، في ظل وجود فئات واسعة من المغاربة لا تستفيد كليا من ثمرات النمو، حيث لم ينعكس التطور الاقتصادي على الوضع الاجتماعي، واستمرار انتشار مظاهر الفقر والهشاشة وتزايد معدلات البطالة وحدة الفوارق الاجتماعية والمجالية. وأضاف قائلا في ذات الخطاب “أنا لا تهمني الحصيلة والأرقام فقط، وإنما يهمني قبل كل شيء، التأثير المباشر والنوعي لما تم تحقيقه من منجزات، في تحسين ظروف عيش جميع المواطنين”
فمازال هناك مغاربة كثر بجميع المدن والأقاليم يذكرون جيدا تلك الضجة العارمة، التي أحدثها سؤال قائدهم المفدى عن مآل الثروة، حين دعا لأول مرة إلى ضرورة التعجيل بإجراء دراسة معمقة من أجل تحديد القيمة الإجمالية لثروة المغرب، منذ أن اعتلى عرش والده الراحل الحسن الثاني طيب الله ثراه عام 1999 إلى غاية متم عام 2013، سعيا إلى محاولة الكشف عن قيمة رأس المال غير المادي للمغرب، للاعتماد عليه كمعيار أساسي في وضع السياسات العامة، حتى يستفيد المغاربة كافة على قدم المساواة من مقدرات بلادهم، لأنه يرفض بشكل قاطع مغربا بسرعتين، وأن تظل فئات واسعة من الشعب المغربي تشكو من التهميش والإقصاء، ومن غير أن ينعكس التطور الاقتصادي على وضعها الاجتماعي…
بيد أنه لا شيء تحقق مما كان ينتظره جلالته بعد مرور حوالي عقدين من الزمن على ذلك السؤال الاستنكاري “أين الثروة”؟، حيث مازالت الأمور على حالها من حيث الارتجال والتخبط وسوء التدبير، وذلك راجع بالأساس إلى إسناد المسؤوليات لغير مستحقيها، اعتمادا فقط على الولاءات والوساطة والمحسوبية، عوض إسنادها للشرفاء الذين تتوفر فيهم مجموعة من الشروط الموضوعية إلى جانب الكفاءة والخبرة، كالحس الوطني الصادق وروح المسؤولية والاستقامة والنزاهة، لتحقيق أفضل النتائج.
إننا ونحن على بعد أقل من أسبوع على موعد الاستحقاقات الكبرى المقرر إجراؤها يوم الأربعاء 23 شتنبر 2026، نأمل أن يحتكم الناخبون إلى ضمائرهم دون أي شيء آخر في اختيار ممثليهم، وأن تفرز لنا صناديق الاقتراع “الزجاجية” حكومة قوية ومنسجمة ومتضامنة ومتفاهمة، تكون قادرة على التدبير الجيد للمال العام، ومعالجة ما ينتظر بلادنا من ملفات اجتماعية واقتصادية ثقيلة، ومنها النهوض بمنظومتي التعليم والصحة تقليص معدلات الفقر والبطالة والهدر المدرسي، تحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية والعيش الكريم ومكافحة مختلف أشكال الريع والفساد، فضلا عن الإعداد الجيد لاستضافة بطولة العالم 2030 باشتراك مع كل من إسبانيا والبرتغال…
اسماعيل الحلوتي
شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني






