إعداد: الدكتور عبد الواحد بلقصري
باحث في علم الاجتماع السياسي – جامعة ابن طفيل – القنيطرة
ملخص:
تسعى هذه الورقة إلى مقاربة الحاجة المتزايدة إلى بناء ثقافة سياسية جديدة في السياق المغربي الراهن، تقوم على قيم المواطنة الفاعلة والمشاركة المسؤولة، والوعي الديمقراطي. وتناقش الورقة مظاهر الأزمة في الثقافة السياسية التقليدية، وتطرح مقومات ثقافة بديلة ترتكز على التربية المدنية والحوار المؤسساتي وتعزيز الثقة بين الفاعلين، وتخلص إلى توصيات عملية لإعادة تأهيل الفضاء العمومي وتقوية الوعي السياسي لدى الشباب.
الكلمات المفتاحية: الثقافة السياسية، المشاركة المواطنة، الديمقراطية، التربية المدنية، المغرب، المواطن الرقمي.
تمهيد:
تشكل الثقافة السياسية أحد المداخل الأساسية لفهم سلوك الأفراد والجماعات تجاه ،الفاعلين السياسيين وهي بمثابة البنية القيمية والرمزية التي تؤطر الممارسة السياسية وتنظم العلاقة بين المواطن والمجال العام ، وفي ظل التحولات التي يعرفها المغرب على المستويين الاجتماعي والسياسي، تبرز الحاجة إلى مراجعة أشكال الثقافة السياسية السائدة وتجاوز نمط اللامبالاة والعزوف وبناء ثقافة جديدة قائمة على الوعي والنقد البناء وتقوية الوعي السياسي لدى الشباب.
أولاً: تشخيص الواقع – قوانين متقدمة بعقلية تقليدية
رغم ما حققه المغرب من تراكمات دستورية ومؤسساتية منذ دستور 2011، لا تزال الثقافة السياسية تعاني من جملة اختلالات، منها ضعف الثقة في الفعل السياسي ، وتراجع المشاركة في الحياة العامة، وهيمنة الخطاب السياسي التقليدي القائم على الزبونية والمواسمية ،ويعود ذلك إلى عوامل متداخلة بين تعليمي، اجتماعي وإعلامي. فدستوريا نتوفر على الفصول 12 و13 و14 و15 التي تؤسس للديمقراطية التشاركية، لكن تفعيلها يصطدم بنخب حزبية زبونية .
ثانياً: لماذا ثقافة سياسية جديدة
إن التحول الديمقراطي لا يتحقق بمقتضى النصوص القانونية وحدها، بل يتطلب تحولا في التصورات والتمثلات والقيم. والثقافة السياسية الجديدة يجب أن ترتكز على ثلاثة مرتكزات:
1- المواطنة الفاعلة:عبر تجاوز النمط السلبي إلى الانخراط المسؤول، فالمواطن شريك في الشأن العام وليس مجرد متلق.
2- الحوار والاختلاف: قبول التعدد والاختلاف وثتمين النقاش العمومي البناء.
3 ربط الحق بالواجب: ترسيخ الوعي بأن المشاركة حق وواجب في الآن نفسه.
هذه الثقافة هي حاضنة لأي مشروع ديمقراطي مستدام، وقادرة على تحصين المجتمع من خطابات التطرف والتوجس من السياسة.
ثالثاً: آليات البناء
تمثل في تعزيز التربية المدنية داخل المدرسة والجامعة عبر مناهج تركز على القيم الديمقراطية وحقوق الإنسان و
تأهيل الإعلام ليقوم بدور تثقيفي توعوي يعتمد المصداقية والنقاش العمومي، والعمل على تشجيع المجتمع المدني على الوساطة بين المواطن والمؤسسات وتأطير الشباب و إدماج الثقافة الرقمية المسؤولة لمواجهة الأخبار الزائفة وبناء وعي نقدي.
رابعاً: المواطن الرقمي – الفاعل الجديد الذي يفرض الثقافة الجديدة
إن المتغير الأكبر الذي يفرض اليوم ثقافة سياسية جديدة هو ظهور المواطن الرقمي. فالمواطن التقليدي كان ينتظر نشرة الأخبار ويشارك كل خمس سنوات، أما المواطن الرقمي فهو يعيش في المعلومة اللحظية، يقارن وعد اليوم بفيديو الأمس، ويحاسب في التعليقات.
هذا المواطن أنهى ثلاث احتكارات قديمة: احتكار المعلومة، احتكار الوساطة، وقصر الذاكرة. فكل شيء اليوم موثق. وهو يفرض على الفاعل السياسي ثلاث التزامات: من ثقافة البلاغ الطويل إلى ثقافة الفيديو التوضيحي القصير، ومن ثقافة التبليغ إلى ثقافة التفاعل عبر الاستفتاءات المباشرة، ومن ثقافة النية إلى ثقافة الأثر الملموس.
خاتمة:
إن الانتقال إلى ثقافة سياسية جديدة يمثل شرطا استراتيجيا للنهوض بالديمقراطية المغربية وتعزيز الثقة المؤسساتية، وهو مسؤولية مشتركة بين الدولة والمدرسة والإعلام والمجتمع المدني، قوامها التربية على المواطنة والحوار والمساءلة ، ومن دون هذا التحول الثقافي والرقمي، يبقى الإصلاح السياسي منقوص الأثر.
المراجع والهوامش:
1 – دستور المملكة المغربية 2011.
– Almond, G. & Verba, S. The Civic Culture, 19632
– Mossberger et al. Digital Citizenship, 20083
4- عبد الله العروي – مفهوم الحرية.
5- تقارير المندوبية السامية للتخطيط 2024-2025.
ا







