لم تكن الخرجة الأخيرة للصحافي محمد رضا الطاوجني مجرد كشف لمعطيات أو التفاف إعلامي حول ملف شخصي، بل كانت بمثابة زلزال صحفي أحدث شرخا عميقا في بنية التسويق الإعلامي الذي اعتمد عليه الثنائي المهدي حيجاوي وهشام جيراندو، موجها ضربة قاضية لآخر ما تبقى من شُعيرات معاوية.
تكمن الجدة في هذه المعالجة في تجاوز التفاصيل الإجرائية للمكالمات والتوجه نحو تحليل “ميكانيزمات الانهيار الداخلي” لشبكات الابتزاز، وكيف تحولت شهادة صديق ومقرب سابق إلى أداة لتفكيك الأسطورة من القواعد.
لطالما حاول حيجاوي وجيراندو تقديم نفسيهما في لبوس “المطاردين” أو “أصحاب القضية”، غير أن شهادة الطاوجني—المبنية على المعايشة المباشرة والعلاقة التي امتدت لنحو عقدين من الزمن، نقلت النقاش من المظلومية المفتعلة إلى مربع الانتهازية المجردة.
فعندما ينكشف أن “المعارض” يصف شريكه في البث والمحتوى بـ “الحمار” و”المسطي” في الخفاء، ويتبرع بتدبير كمائن إستراتيجية للإطاحة به وتسليمه، تسقط تماما القشرة الأخلاقية التي غطت هذا التحالف الهش.
لكن النقطة الفاصلة في هذه القضية هي انتقال الطاوجني من مجرد سارد للمعطيات في منصات التواصل إلى توثيقها رسميا أمام النيابة العامة والمؤسسة القضائية.
هذا الانتقال وضع حدا للعبة الردود المتبادلة، محولا الشبهات والشائعات إلى محاضر رسمية ذات حجية قانونية تضع الجميع أمام مسؤولياتهم، وتجرد المتاجرين بقضايا الوطن من هامش المناورة الإعلامية.
لقد أعادت هذه الخرجة ترتيب الفهم لدى المتابع المغربي بشأن طبيعة المعطيات المنشورة؛ إذ تبين أن ما كان يُروج له باعتباره “حقائق وحقائب أسرار” لم يكن سوى مناورات هادفة للمساومة ولفت الانتباه للحصول على صفقات عفو أو تسويات فردية.
لقد انكشف للجميع أن الصندوق الأسود المزعوم كان صندوقا فارغا تُمارس عبره عملية تضليل واضحة استغلت انتهازية أبواق متفتحة للابتزاز.
إن الأهمية الصحفية لشهادة الطاوجني تكمن في كونها دُقت كآخر مسمار في نعش هذا النموذج من الخونة والمرتزقة الجدد؛ حيث أثبتت الوقائع أن الشبكات القائمة على المصالح الذاتية والابتزاز سريعة التآكل والتفكك من الداخل بمجرد مواجهتها بالحقيقة والمناطق القانونية الصلبة.
إن شهادة الطاوجني، بتفاصيلها الصادمة وتوثيقها الرسمي أمام العدالة، لم تكن مجرد كشف لأوراق متناثرة، بل كانت طلقة الرحمة التي أجهزت على ما تبقى من هياكل هذه السيرك الرقمي الهش.
لقد أثبتت الوقائع، بما لا يدع مجالا للشك، أن قصور الأوهام القائمة على الابتزاز والخيانة والعمالة للغير سرعان ما تتهاوى وتتذرى أمام جدار الحقيقة والمسؤولية الوطنية.
وليعلم حيجاوي وجيراندو، ومن يدور في فلكهما من بائعي الضمائر، أن شرف هذا الوطن وهيبة مؤسساته أسمى من أن تطالها مناورات المرتزقة؛ فالتاريخ لا يسجل في صفحاته أسماء الخونة إلا في الهوامش المظلمة، بينما يظل المغرب شامخا برجالاته الشرفاء، وقضائه العادل، ومؤسساته العتيدة التي تجرف في طريقها كل من تجرأ على المساومة بكرامة الوطن.







