خريجو التكوين المهني أمام جدار الجامعة: حين تصبح الشهادة المعترف بها عاجزة عن فتح باب الاستكمال الدراسي

 

تواجه فئات واسعة من خريجي مكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل (OFPPT) وضعاً يثير الكثير من علامات الاستفهام، بعدما وجد عدد من حاملي الدبلومات المهنية أنفسهم أمام عراقيل تحول دون استكمال مسارهم الدراسي داخل الجامعات الوطنية، رغم توفرهم على تكوينات وشهادات رسمية تؤهلهم، من حيث المبدأ، لمواصلة التحصيل العلمي في مستويات أعلى.

المفارقة التي يطرحها هؤلاء الخريجون واضحة: كيف يمكن لمسار تكويني رسمي أن يمنح الطالب شهادة ذات قيمة أكاديمية ومهنية، ثم يجد حاملها نفسه لاحقاً أمام أبواب جامعية موصدة أو أمام شروط قبول تختلف من مؤسسة إلى أخرى، دون وجود مسار وطني واضح وموحد يحدد له الطريق نحو الإجازة المهنية أو الدراسات العليا؟

المشكل، وفق شكاوى المعنيين، لا يرتبط فقط بالقبول أو الرفض في حد ذاته، وإنما بغياب جسور مؤسساتية واضحة بين منظومة التكوين المهني ومنظومة التعليم الجامعي. فبدل أن يكون الدبلوم المهني مرحلة يمكن البناء عليها وتطويرها أكاديمياً، يجد عدد من الخريجين أنفسهم مضطرين إلى إعادة ترتيب مسارهم من جديد، أو مواجهة شروط تختلف بحسب الكلية أو المؤسسة الجامعية.

وهنا يبرز سؤال جوهري: ما الجدوى من تشجيع الشباب على التكوين المهني واكتساب مهارات تقنية وميدانية يحتاجها سوق الشغل، إذا كان استكمال الدراسة الجامعية بعد الحصول على الدبلوم سيظل محكوماً بممرات ضيقة وغير موحدة؟

خريجو التكوين المهني لا يطالبون، وفق ما يعبرون عنه، بمنحهم امتيازاً على حساب طلبة المسارات الأكاديمية، وإنما يطالبون بإقرار قواعد واضحة وعادلة تتيح تقييم مؤهلاتهم بشكل موضوعي. فالمعدل المحصل عليه، ونوع الدبلوم، والتخصص، والمكتسبات العلمية والتقنية، فضلاً عن التجربة المهنية عند توفرها، كلها عناصر يمكن أن تدخل ضمن منظومة تقييم شفافة للترشح للمسالك الجامعية.

وتزداد حدة الإشكال عندما يتعلق الأمر بخريجين حاصلين على دبلومات من مستويات مختلفة، ويجدون أنفسهم أمام تفاوت في التعامل مع طلباتهم من مؤسسة جامعية إلى أخرى. هذا التفاوت يفتح الباب أمام شعور بالإقصاء، خصوصاً عندما لا تكون معايير الانتقاء أو أسباب الرفض واضحة بما يكفي بالنسبة إلى المعنيين.

إن العدالة في الولوج إلى التعليم العالي لا تعني بالضرورة توحيد المسارات أو إلغاء شروط الانتقاء، وإنما تعني، قبل كل شيء، وضوح القواعد وتكافؤ الفرص وشفافية المعايير. فمن حق الجامعة أن تحدد شروط الولوج إلى مسالكها، لكن من حق الطالب أيضاً أن يعرف مسبقاً ما هي الشروط المطلوبة، وكيف سيتم تقييم دبلومه، ولماذا يمكن قبول ملف في مؤسسة ورفض ملف مماثل في مؤسسة أخرى.

كما أن التكوين المهني نفسه لا ينبغي أن يتحول إلى مسار مغلق. فالتكوين الذي يجمع بين الجانب النظري والتطبيقي يمنح حامله مؤهلات مختلفة عن تلك التي يحصل عليها الطالب في المسار الأكاديمي التقليدي، لكنه لا يعني أن صاحبه يجب أن يُحرم من فرصة تطوير مستواه العلمي إذا كانت مؤهلاته تسمح بذلك.

ومن هنا تأتي أهمية الدعوات المطالبة بإقرار إطار وطني موحد وملزم يحدد بشكل دقيق جسور الانتقال من التكوين المهني إلى الجامعة، سواء بالنسبة إلى الإجازة المهنية أو المسالك الجامعية الأخرى، مع تحديد شروط الولوج والانتقاء والوثائق المطلوبة وآليات معادلة الدبلومات بشكل واضح.

كما أن فتح مسارات منظمة نحو مستويات الماستر يمكن أن يشكل امتداداً طبيعياً لمن تمكنوا من استيفاء الشروط الأكاديمية المطلوبة، بدل ترك هذه المسألة خاضعة لاجتهادات متباينة قد تجعل مستقبل الطالب رهيناً بالمؤسسة التي يطرق بابها.

المطلوب اليوم ليس معاملة خريجي التكوين المهني بمنطق الاستثناء، وإنما التعامل معهم ضمن رؤية وطنية تعتبر التكوين المهني والجامعة مسارين متكاملين داخل منظومة واحدة لإنتاج الكفاءات، وليس عالمين منفصلين لا تلتقي طرقهما إلا نادراً.

إن استمرار هذه الوضعية من شأنه أن يبعث برسالة سلبية إلى آلاف الشباب الذين اختاروا التكوين المهني باعتباره خياراً تعليمياً ومهنياً جدياً. فالطالب الذي يستثمر سنوات من عمره في الحصول على دبلوم رسمي، ويكتسب مهارات عملية، ثم يرغب في مواصلة دراسته، يجب أن يجد أمامه مساراً واضحاً ومؤسسياً، لا سلسلة من الحواجز التنظيمية المتغيرة.

ولهذا، فإن مطالب خريجي التكوين المهني تستحق نقاشاً مؤسساتياً جاداً، تشارك فيه القطاعات الحكومية المعنية ومؤسسات التعليم العالي ومكتب التكوين المهني، بهدف وضع تصور واضح لجسور الانتقال بين المسارين، وتحديد معايير موضوعية وشفافة للقبول.

فالمعركة هنا ليست بين التكوين المهني والجامعة، ولا بين خريجي المسارات المهنية وخريجي التعليم الأكاديمي، وإنما تتعلق بمدى قدرة المنظومة التعليمية الوطنية على منح كل كفاءة مغربية فرصة عادلة لتطوير مسارها العلمي والمهني، وفق قواعد واضحة لا تترك مستقبل الطلبة رهيناً بالغموض أو تفاوت المعايير.


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني