نفاق الميديا الفرنسية وازدواجية المعايير: كيف تُدار عقيدة التشويه ضد المغرب للتغطية على فضائح “بريداتور” بباريس؟
تواصل منابر الإعلام الفرنسي، وفي مقدمتها قناة “فرانس 24″، الإصرار على استدعاء ذاكرة انتقائية مفضوحة ومكشوفة كلما طفت على السطح الانزلاقات التقنية والانكشافات السياسية لباريس، بالتزامن مع قيادة حملة تشويه جديدة وممنهجة ضد المملكة المغربية حول ملف “بيغاسوس” المستهلك.
وهي الحملة التي تتغذى مجددا من تقرير مكرر صادر عن منظمة العفو الدولية اعتمد شهادات واهية ليكرس ازدواجية معايير متجذرة في الخطاب الغربي، متجاهلا في الوقت ذاته الزلزال الرقمي والفضيحة الأخلاقية والمرتبطة بـ “تسريبات بريداتور” التي تورطت فيها باريس إلى أذنيها.
هذه السلوكيات الإعلامية تفضح تهافت المروجين لها وهشاشة خلفياتهم التحريرية؛ إذ كيف يُفسر هذا العمى الممنهج والاستهداف المتعمد للمغرب دون سائر الفاعلين الدوليين؟
فبمجرد صدور وثيقة جديدة عن فرع بلجيكا لمنظمة “أمنستي”، سارعت غرف التحرير الفرنسية إلى استنساخ المضامين ذاتها دون إعمال أدنى مسافة نقدية أو تفكيك مهني، مكررة الأسطوانة القديمة ذاتها لصياغة مرافعة اتهامية جاهزة ضد الرباط، تفتقر لأبسط شروط الرصانة الصحفية وتعتمد على ادعاءات مكشوفة تفتقد إلى الحد الأدنى من المصداقية والواقعية.
وفي محاولة لتشييد هذا البناء الاتهامي المترنح، لم تتردد تلك المنابر والمؤسسات التحريرية في منح مصداقية مطلقة لشخصية ملتبسة تقدم باسم مستعار يدعى “سفير”، محاولة تسويقه كمنبه عام وخبير أتى من صلب المخابرات المغربية.
وتتجاهل هذه الرواية المفبركة أن المعني بالأمر ظل على الدوام مجرد عنصر ثانوي تحوم حوله الشبهات داخل مسار وظيفي باهت وغير ذي قيمة، الأمر الذي يجعل الاستناد إلى تصريحاته ضرباً من الهواية التحريرية الرخيصة التي تبتغي النيل من صورة بلد شريك ومحوري كالمغرب.
وبالتركيز على هذه الإفادة الهشة، يواصل مهاجمو المغرب اجترار حكاية برمجية “بيغاسوس” ومزاعم توظيفها من قبل الأجهزة الأمنية المغربية لاستهداف المعارضين، وهي الرواية التي دحضها النفي الرسمي الصارم والمتواصل للسلطات المغربية، والتي شددت دوما على عدم امتلاكها أو استعمالها لهذا البرنامج. غير أن فرع بلجيكا لـ “أمنستي” وجد في هذا الطرح التضليلي مادة لإعادة تدوير الاتهامات ذاتها، لتتلقفها قنوات تلفزيونية اعتادت اقتناص الإثارة وتصريف المواقف السياسية كلما تعلق الأمر باستهداف المؤسسات المغربية.
ويفصل التحليل القانوني والتقني الرصين بين المؤشرات الرقمية الأولية وإثبات القصد الجنائي غير المشروع، ما يجعل المطالبة بإخضاع الأدلة المفترضة وسلاسل الإسناد لتقييم علمي مستقل مطلبا بديها وشرطا لازما في أي دولة قانون، غير أن محاكم التفتيش الإعلامية بباريس تفضل الترويج المسبق للروايات الجاهزة على التحقق الفعلي من سلامة الوقائع.
ويصل هذا التغاضي الباريسي ذروته عند مقارنته بالتكتم المطبق والصمت المريب المضروب على ممارسات الدولة الفرنسية في ميدان التجسس الرقمي وتصدير أدوات التجسس؛ ذلك أن باريس تجد نفسها متورطة في قضايا أشد خطورة لجهة تصدير تقنيات المراقبة الإلكترونية الفائقة، على نحو ما فضحته قضية “تسريبات بريداتور” (Predator Leaks)، التي بينت بالدليل القاطع كيف دعمت فرنسا أنظمة سلطوية ومكنتها من تعقب مواطنيها ومعارضيها.
وكشف تحقيق استقصائي الضخم، الذي أجراه ائتلاف “التعاون الأوروبي للتحقيقات الاستقصائية” بشراكة مع موقع “ميديا بارت”، تورط شركة “نيكسا تكنولوجيز” الفرنسية (المعروفة سابقا باسم “أميسيس”) وتحالفها مع رجل الأعمال الإسرائيلي تال ديليان ضمن تجمع “إنتيليكسا”.
وبرعت هذه الصناعة الأوروبية في تسويق برمجية الاختراق المباشر “بريداتور” لدول عديدة كليبيا ومصر وفيتنام، بل إن خيوط القضية امتدت لتلامس كبار مسؤولي الإليزيه وبيرسي، خاصة وزير الاقتصاد والمالية آنذاك برونو لومير، دون أن يحظى الملف باهتمام إعلامي في فرنسا يوازي وزنه الجيوسياسي والجنائي، مفضلا الانخراط في صمت متواطئ ومريب.
وتفضح هذه السياسة التحريرية عقيدة إعلامية مأزومة تعطي لفرنسا وحلفائها حق ممارسة التجسس وتصدير وسائله، بينما تمنع عن المغرب حقه الطبيعي المكتسب في السيادة وحماية أمنه واستقراره الوطني.
إن سقوط هذه المنابر في فخ ازدواجية المعايير يسقط عن الصحافة الاستقصائية وظيفتها النبيلة في كشف الحقيقة، ليحولها إلى مجرد واجهة للتوجيه والتأثير السياسي وممارسات الابتزاز الإعلامي المتجاوز، في وقت تواصل فيه المملكة المغربية السير بثبات في ترسيخ سيادتها الوطنية وتطوير مؤسساتها الدستورية، غير مبالية بهرطقات المنابر المفلسة وأسطواناتها المكررة.




