البيجيدي.. عندما يصبح الولاء للتنظيم فوق الولاء للوطن

 

لم يعد خافيا على المتتبع للمشهد السياسي المغربي أن حزب العدالة والتنمية ليس حزبا سياسيا مغربيا بالمعنى الدستوري والمؤسساتي للكلمة، بل هو امتداد وظيفي وايديولوجي لمشروع أكبر منه، هو مشروع جماعة الإخوان المسلمين العالمية. ولاء الحزب ليس لثوابت الأمة كما حددها الدستور، بل لمرشد ومكتب إرشاد يسكن خارج الحدود، يحدد له متى يتكلم ومتى يصمت ومتى يصعد ومتى يتراجع.

المغرب اختار لنفسه نموذجا فريدا ومتفردا في العالم الإسلامي، نموذج يقوم على إمارة المؤمنين الضامنة لوحدة الملة والدين، وعلى المذهب المالكي فقها، وتصوف الجنيد السالك سلوكا، وعلى الانفتاح الحداثي الذي يجعل المملكة أرض تلاقح للحضارات والأديان. هذا هو الثابت الذي حافظ على استقرار المغرب لقرون. في المقابل، يتبنى حزب العدالة والتنمية المرجعية القطبية الإخوانية التي ترى في هذا النموذج المغربي بدعة يجب تقويضها، وتسعى لاستبداله بنموذج الخلافة الحزبية المغلقة التي لا تؤمن بالوطن ولا بالحدود.

لقد أثبتت التجربة أن هذا الحزب مستعد لتقديم مصلحة الحركة على مصلحة الوطن في كل المحطات. شعارهم غير المعلن كان دائما “غزة قبل تازة”. ففي الوقت الذي كان فيه المغرب يخوض معارك دبلوماسية مصيرية حول وحدته الترابية، كان قادة البيجيدي منشغلين بإصدار بيانات التنديد والولاء لعواصم الإخوان في إسطنبول والدوحة، بل إن بعضهم لم يتردد في مهاجمة قرارات سيادية للمملكة تخدم مصالحها الاستراتيجية العليا، فقط لأنها لا تتماشى مع أجندة التنظيم الدولي.

والأخطر اليوم، ونحن مقبلون على تنظيم أكبر عرس كروي في العالم سنة 2030، حيث سيستقبل المغرب مئات الآلاف من الأجانب بمختلف عقائدهم وأديانهم وألوانهم وأفكارهم، نجد هذا الحزب الإسلاموي لا يزال حبيس خطاب التحريم والتجريم والنكوص. هو نفس الحزب الذي عارض مهرجانات الموسيقى واعتبرها فسقا، وحارب الحريات الفردية، ووقف ضد كل القوانين التي تكرس انفتاح المغرب، من مدونة الحقوق والحريات إلى ورش المساواة. كيف لحزب يرى في السائح الأجنبي تهديدا لقيمه أن يساهم في إنجاح مشروع دولة منفتحة على العالم؟

إن العدالة والتنمية، التي أسس لمشروعها في المغرب عبد الكريم الخطيب ثم عبد الإله بنكيران كوكيل حصري لفكر حسن البنا وسيد قطب، ليست إلا آلية لتصريف أجندة إخوانية عابرة للقارات. هم لا يؤمنون بالدولة الوطنية، بل يؤمنون بالأمة الإخوانية. واليوم، بعد أن لفظهم الشارع المغربي في انتخابات 2021 حين حصلوا على 13 مقعدا فقط بعدما كانوا يملكون 125 مقعدا، يحاولون إعادة تسويق أنفسهم عبر استغلال القضايا العاطفية الخارجية، لأن رصيدهم الداخلي صفر.

إن جوهر المشروع الإخواني كما صاغه حسن البنا سنة 1928 وقعده سيد قطب لاحقا في كتابه “معالم في الطريق”، يقوم على فكرة واحدة وخطيرة: هي أن المجتمع جاهلي وأن الدولة كافرة ما لم تحكم بما يراه التنظيم، وأن الحاكمية ليست للشعب ولا لمؤسساته الدستورية بل للجماعة. هذه الفكرة التكفيرية المبطنة هي التي جعلت كل الأنظمة التي حكموها تسقط في العنف والانقسام. فكر الإخوان لا يبني وطنا، بل يبني تنظيما داخل الوطن، دولة داخل الدولة، ولاءه للمرشد وليس للدستور.

وفي المغرب، حاولت الجماعة منذ الثمانينات التسلل بذكاء عبر العمل الجمعوي والدعوي تحت يافطة “حركة التوحيد والإصلاح”، الذراع الدعوي الذي يمد الحزب بالكوادر والمريدين. فكان المخطط واضحا: الحركة تربي وتؤطر في المساجد والجامعات والجمعيات، والحزب يقطف الثمار في الانتخابات. إنه نفس نموذج حزب العدالة والتنمية التركي وهيكل الإخوان في مصر، تقسيم أدوار مكشوف لخدمة مشروع واحد هو أستاذية العالم كما يسمونها في أدبياتهم.

ولعل أخطر ما في هذا المشروع هو ازدواجية الخطاب. ففي الداخل يتحدثون عن النزاهة ومحاربة الفساد، بينما حين تولوا تدبير عشرات المدن والجماعات، سجل المجلس الأعلى للحسابات أرقاما صادمة عن سوء التدبير وتبديد المال العام. وفي الحكومة لعشر سنوات، لم يأتوا بمشروع اقتصادي أو صناعي واحد، بل رفعوا المديونية الخارجية من 213 مليار درهم سنة 2011 إلى أكثر من 373 مليار درهم سنة 2021، وضربوا القدرة الشرائية للمواطن عبر تحرير الأسعار ورفع الدعم، لأن برنامجهم الحقيقي لم يكن تنمويا بل كان هو “التمكين” أي تمكين أتباع الجماعة من مفاصل الإدارة والإعلام والتعليم.

واليوم، حين انكشفت عورة التنظيم الدولي بعد سقوطه المدوي في مصر سنة 2013 وتفككه في تونس وليبيا والسودان، بقي فرعه المغربي يتيما يبحث عن قبلة جديدة. فمرة يغازل أردوغان، ومرة يغازل حماس، ومرة يتاجر بآلام الفلسطينيين في مسيراته، ليس حبا في فلسطين التي يدافع عنها كل المغاربة بقيادة جلالة الملك رئيس لجنة القدس، بل لاستدرار عطف القواعد واستيراد شرعية خارجية بعدما فقد الشرعية الداخلية.

إن المغرب الذي اختار طريق الحداثة والوسطية والاعتدال، لا يمكن أن يحكمه فكر يرى في الاختلاف كفرا، وفي الفن فسوقا، وفي المرأة ناقصة، وفي السائح غازيا ثقافيا. المغرب الذي يستعد لاستقبال العالم في 2030، يحتاج لأحزاب تؤمن بالعالم، لا لجماعة تؤمن بأن العالم كله جاهلية يجب أسلمتها على طريقة البنا.

لقد انتهى زمن “الإسلامويين”، والمغاربة قالوا كلمتهم في صناديق الإقتراع .المغرب أكبر من جماعة، وأكبر من تنظيم، وأكبر من مشروع إخواني أثبت فشله من القاهرة إلى الخرطوم إلى تونس. و الآن في الرباط

 


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني