دخلت مشاورات تشكيل الحكومة الجديدة مرحلة أكثر حساسية، بعدما انتقلت رئيسة الحكومة المكلفة فاطمة الزهراء المنصوري من جولة جس النبض إلى مفاوضات أكثر تفصيلاً حول طبيعة الأغلبية وتركيبتها، في وقت بدأت فيه ملامح صيغة حكومية جديدة تتضح تدريجياً.
وتأتي هذه المرحلة بعد أن فوّض المجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة، الذي تصدر الانتخابات التشريعية، للمنصوري واللجنة المكلفة بالمشاورات مواصلة المفاوضات مع مختلف الأحزاب السياسية. كما حسم حزب الاستقلال قراره بالمشاركة في الحكومة، وفوّض أمينه العام نزار بركة مواصلة التفاوض، بينما أعلن التجمع الوطني للأحرار بدوره استعداده للمشاركة وفوّض رئيسه محمد شوكي تدبير المفاوضات.
لكن التطورات التي عرفتها الجولة الثانية من المشاورات، أمس واليوم، أظهرت أن مشاركة الأحرار ليست محسومة ضمن الصيغة التي يجري تداولها حالياً.
فقد عقدت المنصوري لقاءات مطولة مع الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية نبيل بنعبد الله، ثم مع الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية إدريس لشكر، في اجتماعين وصفا بأنهما جزء من المفاوضات الفعلية حول مكونات الأغلبية المقبلة. وتشير تقارير متطابقة إلى أن الحزبين اقتربا من المشاركة في الحكومة الجديدة، مع استمرار التفاوض بشأن التفاصيل.
وبذلك تبرز أمام المنصوري صيغة تقوم على الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، وهي صيغة تضم أربعة أحزاب، مع إمكانية توسيع الأغلبية بحزب إضافي لتأمين قاعدة برلمانية أوسع.
وتتحدث مصادر إعلامية عن إمكانية وصول هذه الصيغة إلى 207 مقاعد، في حال اعتماد التركيبة الرباعية التي تضم الأحزاب المذكورة، وهو ما يمنحها أغلبية مريحة داخل مجلس النواب. غير أن هذه المعطيات تظل مرتبطة بنتائج المفاوضات النهائية، ولا تعني أن التركيبة الحكومية حُسمت رسمياً.
في المقابل، يظل حزب التجمع الوطني للأحرار في وضعية مختلفة. فرغم أن مجلسه الوطني حسم رسمياً الاستعداد للمشاركة في حكومة المنصوري وفوّض محمد شوكي تدبير هذه المشاركة، فإن مؤشرات الجولة الثانية لا تظهر، إلى حدود الآن، اندماجه في الصيغة التي تتشكل حول أحزاب الكتلة.
وتكتسي هذه النقطة أهمية خاصة في مسار المفاوضات، لأن دخول الأحرار أو خروجه من التركيبة سيؤثر على شكل الأغلبية وهندسة الحكومة المقبلة. كما أن عدم عقد لقاء تفاوضي جديد بين المنصوري وقيادة الأحرار منذ اللقاء الأول يختلف عن الحركية التي شهدتها الاتصالات مع الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية.
أما حزب الاستقلال، فيبدو أنه يحتفظ بموقع أساسي داخل الصيغة التي يجري بحثها، بعدما حسم مجلسه الوطني بالإجماع قرار المشاركة في الحكومة وفوض نزار بركة مواصلة المفاوضات. ومن المنتظر أن يكون لقاء بركة بالمنصوري محطة مهمة في تحديد تفاصيل المرحلة المقبلة.
ولا تتوقف المفاوضات عند تحديد أسماء الأحزاب المشاركة، إذ بدأت، وفق معطيات صحافية، تلامس أيضاً موضوع توزيع الحقائب الوزارية، وهو الملف الذي عادة ما يشكل المرحلة الأكثر حساسية في مفاوضات تشكيل الحكومات. وتفيد مصادر إعلامية بأن النقاش بدأ يتجه إلى تصور أولي لتوزيع المسؤوليات بين الأحزاب، دون أن تكون الصيغة النهائية قد حُسمت رسمياً.
وبالتوازي مع ذلك، تظل إمكانية توسيع الأغلبية مطروحة من خلال الاتحاد الدستوري أو الحركة الشعبية، خصوصاً إذا اختارت المنصوري بناء تحالف أوسع من الصيغة الرباعية المتداولة حالياً. وقد سبق أن ناقشت المنصوري مع عدد من الأحزاب أولويات المرحلة، بما فيها التشغيل والقدرة الشرائية والتعليم والصحة والشباب.
أما العدالة والتنمية، فقد حسم موقعه في المعارضة، بينما يبقى النقاش داخل بعض الأحزاب الأخرى مرتبطاً بمآل المفاوضات قبل اتخاذ المواقف النهائية.
وهكذا، انتقلت مشاورات تشكيل حكومة المنصوري من مرحلة الاتصالات العامة إلى مرحلة التفاوض الحقيقي حول هندسة الأغلبية والحقائب الوزارية، فيما تبرز في الواجهة صيغة سياسية تجمع الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، مع استمرار البحث عن الصيغة النهائية التي ستضمن للحكومة المقبلة قاعدة برلمانية واضحة.
وفي انتظار الحسم الرسمي، تظل مشاركة الأحرار إحدى أبرز نقاط الغموض في المفاوضات، بينما يبدو أن الساعات المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت الصيغة الرباعية ستتحول إلى أغلبية نهائية، أم أن مفاجآت جديدة ستعيد رسم خريطة التحالفات الحكومية.




