منى سالم الجبوري
حين تكون الدولة حاضرة في كل شيء، وغائبة عن القرار
ثمة مفارقة عراقية يصعب تجاهلها: دولة حاضرة بكل مؤسساتها ودستورها وبرلمانها وحكومتها وجيشها وشرطتها وقضائها، لكنها تبدو في بعض الملفات الكبرى وكأنها تتقاسم القرار مع مراكز قوة أخرى، بحيث لم يعد السؤال الحقيقي هو: هل توجد دولة في العراق؟ وإنما: الى أي مدى تستطيع هذه الدولة أن تكون المرجعية النهائية للقرار والسلاح والقانون؟
فالعراق ليس دولة بلا مؤسسات، ولا يمكن إنكار أن لديه كل المقومات الشكلية لدولة حديثة، لكن المشكلة تبدأ عندما ننتقل من وجود المؤسسات الى قدرتها على فرض إرادتها، ومن وجود القانون الى مدى قدرته على أن يكون المرجعية الأخيرة عندما يصطدم بمصالح أصحاب النفوذ؛ لأن الدولة لا تصبح دولة مكتملة بمجرد امتلاكها الوزارات والأجهزة والقوانين، وإنما عندما يكون قرارها نافذا على الجميع، ولا توجد قوة أخرى تستطيع أن تقول: هذا قرار الدولة، لكن لدينا قرار آخر.
وهنا تبدأ المسافة بين الدولة واللادولة.
فالمشكلة العراقية لم تعد تتعلق بالسلاح وحده، وإنما بالسؤال الأكثر أهمية: من يمتلك قرار استخدامه؟ ومن يحدد متى يستخدم، ولأي غاية، ومن يتحمل مسؤوليته عندما تترتب عليه نتائج سياسية أو أمنية أو دولية؟ فالسلاح، في نهاية المطاف، ليس مجرد أداة عسكرية، وإنما هو أحد أشكال السلطة، وحين يصبح القرار موزعا بين مؤسسات الدولة وقوى أخرى، مهما كان تاريخها أو دورها في مواجهة الإرهاب، فإن الدولة تبدأ بفقدان إحدى أهم خصائصها: وحدة القرار.
ولا يعني ذلك إنكار الدور الذي لعبته القوى المسلحة العراقية في مواجهة تنظيم داعش، ولا تجاهل التضحيات التي قدمها مقاتلون عراقيون في واحدة من أخطر مراحل تاريخ البلاد الحديث، لكن الاعتراف بدور تلك القوى في زمن الحرب لا ينبغي أن يحول دون طرح السؤال الضروري عن زمن ما بعد الحرب، لأن منطق الحرب، بما يفرضه من استثناءات، لا يمكن أن يصبح بالضرورة منطقا دائما لإدارة الدولة.
فالدولة لا تقاس بعدد البنادق التي تمتلكها، وإنما بمن يملك قرار استخدامها، ولا تقاس بعدد القوانين التي تصدرها، وإنما بقدرتها على تطبيقها عندما تصل إلى أبواب أصحاب النفوذ، ولا تقاس بعدد الانتخابات التي تنظمها، وإنما بقدرتها على ضمان أن تكون السياسة منافسة بين برامج وقوى، لا بين شبكات نفوذ وموازين قوة.
لكن اختزال أزمة العراق في السلاح وحده سيكون أيضا تبسيطا للمشكلة، لأن اللادولة تستطيع أن تتسلل من أبواب أكثر هدوءا: حين تتحول الوظيفة العامة الى جزء من نظام الولاءات، وحين تصبح مؤسسات الدولة ساحات لتوزيع النفوذ، وحين تتداخل المصالح الاقتصادية مع القوة السياسية، وحين يصبح الحزب أقوى من المؤسسة التي يعمل داخلها، وحين تتحول الدولة من فضاء مشترك للمواطنين إلى مجموعة حصص تتقاسمها القوى السياسية.
عندها لا تسقط الدولة أمام أعين الناس، وإنما يحدث شيء أكثر خطورة: تتآكل الدولة وهي واقفة.
وهذه ربما هي أخطر مراحل الأزمة، لأن سقوط الدولة بصورة واضحة يخلق لحظة صادمة تدفع الى إعادة البناء، بينما الدولة التي تستمر في العمل رغم تآكل سلطتها تمنح الجميع انطباعا بأن الأمور طبيعية، في الوقت الذي تصبح فيه الحدود بين القرار الرسمي والنفوذ غير الرسمي، وبين القانون وموازين القوة، وبين المصلحة الوطنية والحسابات الخارجية، أكثر غموضا.
ومن هنا تأتي قضية السيادة، التي لا ينبغي اختزالها في مسألة الوجود العسكري الأجنبي، لأن السيادة تعني قبل كل شيء أن يكون القرار الأمني والسياسي والخارجي نابعا من مؤسسات الدولة، وأن تكون الحكومة قادرة على إدارة علاقاتها الإقليمية والدولية وفق مصالح العراق، لا أن يصبح العراق ساحة تتصارع فيها مشاريع الآخرين عبر قوى داخلية.
فالدولة التي لا تحتكر قرارها السيادي تصبح عرضة لأن تتحول إلى ساحة نفوذ، حتى لو بقيت مؤسساتها قائمة وأعلامها مرفوعة وحدودها معترفا بها دوليا.
ولهذا فإن القضية الحقيقية ليست صراعا بين مكونات العراق، وليست معركة بين طائفة وأخرى أو قومية وأخرى، وإنما هي في جوهرها صراع بين منطق الدولة ومنطق القوة؛ بين دولة تقول إن القانون فوق الجميع، وبين واقع يسمح بتعدد مراكز النفوذ بحيث يصبح تطبيق القانون نفسه خاضعا أحيانا لموازين القوة.
العراق لا يحتاج الى دولة تستقوي على المجتمع، كما أنه لا يحتاج إلى قوى تستقوي على الدولة، وإنما يحتاج إلى دولة يكون فيها الجميع، من المواطن العادي إلى صاحب النفوذ، ومن الحزب إلى المؤسسة الأمنية، خاضعين لقاعدة واحدة لا تتغير بتغير مواقعهم السياسية أو العسكرية.
فالدولة لا تعني أن تكون الحكومة قوية فقط، وإنما أن تكون القاعدة التي يخضع لها الجميع أقوى من الحكومة والحزب والسلاح والنفوذ.
ولهذا فإن السؤال الذي يواجه العراق اليوم ليس ما إذا كانت الدولة موجودة، بل ما إذا كانت قادرة على استعادة موقعها بوصفها المرجعية الوحيدة للقرار.
فإذا بقي القرار موزعا، والسلاح متعدد المرجعيات، والقانون قابلا للتأويل وفق موازين القوة، والولاءات تتجاوز حدود الدولة، فسيبقى العراق في تلك المنطقة الرمادية التي لا هي دولة مكتملة، ولا هي لادولة مكتملة، وإنما دولة موجودة في الأوراق والمؤسسات، ولادولة تتحرك في المساحات التي تعجز الدولة عن ملئها.
وفي هذه المنطقة تحديدا يدفع المواطن الثمن، لأنه لا يريد دولة تبتلع حريته، ولا لادولة تبتلع أمنه، وإنما يريد ببساطة دولة تكون دولته فعلا؛ دولة يكون فيها القانون فوق الجميع، والسلاح تحت قرارها، والسيادة ملكا للعراقيين وحدهم.
شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني



