يبرز تحسين نجاعة الأداء العمومي باعتباره أحد التحديات الأساسية أمام الحكومة الجديدة، في سياق يتطلب تطوير أساليب التدبير، وتسريع تنفيذ البرامج، وتعزيز قدرة المؤسسات على الاستجابة لانتظارات المواطنين. ويضع هذا التوجه مسألة الفعالية في صلب العمل الحكومي، من خلال الانتقال من الالتزامات المعلنة إلى نتائج عملية قابلة للتقييم.
وفي هذا الإطار، يكتسي تحديث الإدارة أهمية خاصة، بالنظر إلى ما يتيحه من إمكانات لتبسيط المساطر وتحسين جودة الخدمات وتطوير آليات اتخاذ القرار. كما يفتح الاهتمام بالذكاء الاصطناعي والابتكار آفاقاً جديدة لتطوير العمل العمومي، وتعزيز الاستفادة من المعطيات في تدبير الملفات وتقييم السياسات.
ويستدعي توظيف هذه الإمكانات اعتماد مقاربة تجعل التكنولوجيا وسيلة لتحسين الأداء، وليس مجرد تحديث تقني منفصل عن أهداف الإدارة. فالغاية الأساسية تتمثل في رفع مستوى النجاعة، وتقليص التعقيدات الإدارية، وتحسين قدرة المؤسسات على معالجة الملفات وتقديم الخدمات بصورة أكثر فعالية.
وتبرز أهمية التنسيق بين القطاعات الحكومية باعتباره عنصراً أساسياً في هذا المسار، خصوصاً في الملفات التي تتداخل فيها الاختصاصات وتتعدد بشأنها الجهات المتدخلة. فإعادة توزيع المسؤوليات وتحديد مجالات الاختصاص بصورة واضحة من شأنهما تعزيز الانسجام في تنفيذ السياسات العمومية، والحد من تشتت المبادرات.
كما تندرج الوزارات المنتدبة ضمن هذا التصور، من خلال إسناد ملفات محددة إلى مسؤوليات أكثر تخصصاً، بما يسمح بتركيز الجهود على الأولويات وتسريع معالجتها. غير أن تحقيق هذه الأهداف يظل مرتبطاً بوضوح العلاقة بين هذه الوزارات والقطاعات الوصية، وضمان التنسيق وتكامل التدخلات.
ومن أبرز التحديات المطروحة في هذا السياق، ضرورة الانتقال من تدبير الالتزامات إلى تحقيق النتائج، عبر تحديد أهداف دقيقة، واعتماد مؤشرات موضوعية لتتبع الأداء، وإجراء تقييم دوري للتقدم المحرز. وتتيح هذه الآليات إمكانية الوقوف على مدى تنفيذ البرامج، وتحديد مكامن التعثر، وتصحيح الاختلالات عند الحاجة.
ويرتبط هذا التوجه أيضاً بترسيخ مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، بما يجعل تقييم الأداء جزءاً أساسياً من تدبير الشأن العام، ويعزز ثقافة الإنجاز داخل المؤسسات. فوضوح الأهداف ووجود مؤشرات للتقييم يساعدان على قياس النتائج بصورة موضوعية، وتحديد المسؤوليات على أساس ما تحقق فعلياً.
وتكتسب هذه المقاربة أهميتها من كونها تربط الإصلاح الإداري بالنتائج الملموسة، وتضع جودة الخدمات وفعالية التدبير في صلب تقييم السياسات العمومية. كما أن تعزيز الثقة في المؤسسات يظل مرتبطاً بقدرتها على الوفاء بالتزاماتها وتحقيق تقدم قابل للملاحظة في معالجة الملفات المطروحة.
وفي المحصلة، تواجه الحكومة الجديدة امتحاناً عملياً يتمثل في تطوير أدوات العمل العمومي، وتحديث الإدارة، وتعزيز التنسيق بين القطاعات، واعتماد التقييم المستمر للأداء. وتظل النجاعة الحقيقية رهينة بقدرة هذه التدابير على تحويل البرامج إلى نتائج ملموسة، وترسيخ المسؤولية والمحاسبة، وجعل جودة الخدمات والاستجابة لانتظارات المواطنين معيارين أساسيين لنجاح الإصلاح.




