تُظهر تطورات السبت 24 أكتوبر 2026 أن الأزمة الفرنسية لم تعد مجرد احتجاجات طلابية أو مواجهات أمنية معزولة. فقد خرج أكثر من 410 آلاف متظاهر، بحسب وزارة الداخلية الفرنسية، فيما رفعت نقابة الكونفدرالية العامة للشغل التقدير إلى قرابة 800 ألف، وسط غضب من غلاء المعيشة وتدهور الخدمات العمومية ونقص تمويل المدارس. كما شهدت مدن عدة مواجهات واستخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه، في وقت انتشرت فيه قوات أمنية يصل عددها إلى 70 ألف عنصر.
لم تعد شوارع فرنسا مجرد مسرح لمظاهرات عابرة، ولم تعد المواجهات بين المحتجين والشرطة مجرد أحداث أمنية يمكن احتواؤها بتعزيز الانتشار الأمني. ما يجري اليوم يكشف عن أزمة أعمق تضرب العلاقة بين المواطن الفرنسي والسلطة، وتضع الرئيس إيمانويل ماكرون وحكومته أمام أسئلة ثقيلة بشأن حصيلة سنوات من التدبير السياسي والاقتصادي، ومدى قدرتهم على الاستجابة لمطالب مجتمع يشعر جزء متزايد منه بأن أعباء الأزمات تُلقى على كاهله، بينما تتواصل القرارات التي تزيد الاحتقان.
يوم السبت 24 أكتوبر، خرج مئات الآلاف إلى الشوارع، احتجاجا على غلاء المعيشة وتراجع الخدمات العمومية وأوضاع المدارس، وفق تقديرات تراوحت بين 410 آلاف متظاهر بحسب وزارة الداخلية، ونحو 800 ألف بحسب نقابة الكونفدرالية العامة للشغل. ولم تمنع التعبئة الأمنية الواسعة، التي شملت نشر نحو 70 ألف عنصر، تجدد المواجهات في عدد من المدن.
منذ وصول إيمانويل ماكرون إلى الرئاسة، قدم نفسه باعتباره عنوانا للتجديد والإصلاح وتحديث الاقتصاد الفرنسي. لكن الاحتجاجات المتعاقبة، من حركة السترات الصفراء إلى النزاعات الاجتماعية المرتبطة بالتقاعد، وصولا إلى موجة الغضب الحالية، أعادت إلى الواجهة سؤالا جوهريا: هل نجحت السياسات المتبعة في تحسين حياة المواطنين، أم أنها عمقت الشعور بالتهميش لدى فئات واسعة؟
المشكلة لا تكمن في قرار واحد أو إجراء منفرد، بل في تراكم التوترات الاجتماعية والسياسية. فحين ترتفع كلفة المعيشة، ويشعر الآباء والطلاب بأن المدرسة العمومية لا تحصل على الموارد التي تحتاجها، ويخشى العاملون والمتقاعدون من تراجع قدرتهم الشرائية، تصبح الوعود السياسية أقل إقناعا إذا لم تتحول إلى نتائج ملموسة.
وهنا تقع المسؤولية السياسية على عاتق ماكرون، باعتباره رئيسا للدولة ورمزا للخيارات الكبرى التي اتبعتها السلطة خلال السنوات الماضية. فالرئيس لا يمكنه أن يكتفي بالدعوة إلى الهدوء واحترام الممتلكات، بينما يظل السؤال عن أسباب الغضب الاجتماعي قائما. كما أن التمسك بالقرارات الحكومية لا يعفي القيادة السياسية من مراجعة آثارها عندما تتسع الاحتجاجات وتصبح الأزمة متكررة.
أما حكومة رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو، فتواجه امتحانا مباشرا في كيفية التعامل مع مطالب الشارع. فالاحتجاجات الحالية تجمع بين قضايا التعليم وغلاء المعيشة والاعتراض على تقليص الإنفاق العام، في وقت تسعى فيه الحكومة إلى تمرير ميزانية تتضمن إجراءات لخفض النفقات.
وقد حذرت تقارير من أن استمرار الانسداد السياسي وصعوبة بناء توافق برلماني يعرقلان الوصول إلى حلول تحظى بقبول واسع.
والسؤال المحرج للحكومة هو: كيف يمكن مطالبة المواطنين بتحمل مزيد من الضغوط الاقتصادية، من دون إقناعهم بأن التضحية موزعة بعدالة، وأن الخدمات الأساسية لن تكون أول ضحايا التقشف؟
فإدارة الأزمات لا تعني فقط إرسال الشرطة إلى الشوارع، وإقامة الحواجز، وإغلاق بعض المواقع، واعتقال المتورطين في أعمال العنف. هذه إجراءات قد تكون ضرورية لحماية الأشخاص والممتلكات، لكنها لا تعالج وحدها الأسباب التي تدفع مئات الآلاف إلى التظاهر. الأمن يستطيع تفريق تجمع، لكنه لا يستطيع بمفرده معالجة أزمة القدرة الشرائية، أو توفير المدرسين، أو إعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
الأخطر في المشهد الفرنسي هو أن الاحتجاجات لم تعد محصورة في فئة اجتماعية واحدة. فقد تداخل غضب الطلاب مع مطالب النقابات والعمال، وعادت مجموعات مرتبطة بحركة السترات الصفراء إلى المشهد، في تقاطع يعكس اتساع دائرة الاستياء من السياسات الاقتصادية والاجتماعية.
وهذا التداخل يضع السلطة أمام تحد أكبر من مواجهة احتجاج محدود المطالب. فحين تتقاطع أزمات التعليم مع المعيشة والخدمات العمومية، يصبح من الصعب اختزال ما يحدث في أعمال تخريب يرتكبها بعض المحتجين، كما يصبح من الخطأ اعتبار كل المتظاهرين مسؤولين عن العنف الذي تشهده بعض المناطق.
لكن على ماكرون وحكومته أن يدركا أن مشاهد المواجهات لا تظهر من فراغ، وأن الغضب الواسع يستدعي مراجعة سياسية جدية، لا الاكتفاء بإدانة الفوضى أو تحميل الشارع وحده مسؤولية الأزمة.
طبعا الأزمة الاقتصادية والمالية وتحديات الخدمات العمومية كلها عوامل متشابكة. لكن ماكرون وحكومته يتحملان مسؤولية سياسية عن القرارات التي يتخذانها، وعن قدرتهما على الاستماع إلى المواطنين وتصحيح المسار عندما تتضح كلفة السياسات المتبعة.
وتزداد حساسية الوضع مع اقتراب الاستحقاق الرئاسي المقرر في ماي 2027، في ظل استقطاب سياسي متصاعد وتراجع القدرة على بناء توافقات حول الإنفاق العام والإصلاحات.
لقد باتت السلطة الفرنسية اليوم أمام سؤال لا يمكن تجاوزه: هل ستتعامل مع هذه الاحتجاجات باعتبارها اضطرابا أمنيا يجب احتواؤه، أم ستقرأها باعتبارها إنذارا سياسيا واجتماعيا يستوجب مراجعة الخيارات التي راكمت الغضب؟
فالمشهد لا يتعلق فقط بالحجارة والغاز المسيل للدموع والاعتقالات، بل أيضا بمواطنين يطالبون بأن تكون لهم كلمة في السياسات التي تمس حياتهم اليومية. وإذا أراد ماكرون وحكومته استعادة الثقة، فلن يكفي أن تعود الشوارع إلى الهدوء لساعات أو أيام؛ المطلوب إجابات ملموسة بشأن المعيشة والتعليم والخدمات العمومية، واستعداد حقيقي لتحمل المسؤولية عن القرارات ونتائجها.
هذه هي الفاتورة السياسية التي يواجهها ماكرون وحكومته اليوم: ليس فقط كيف يوقفان المواجهات، بل كيف يثبتان للفرنسيين أن صوتهم قادر على إحداث تغيير في السياسات التي يعترضون عليها.




