مر نحو أسبوع على اعتقال البروفيسور رشيد شرقاب، الطبيب الذي ارتبط اسمه بالدفاع عن المرضى البسطاء وإثارة اختلالات داخل مستشفى ابن رشد بالدار البيضاء، فيما تتصاعد الأصوات المطالبة بإطلاق سراحه وفتح تحقيق جدي في الشكايات التي سبق أن تقدم بها. وبينما يقبع خلف القضبان بعيدا عن أسرته ومهنته، تتسع دائرة التضامن معه، وتكبر الأسئلة بشأن مصير الأصوات التي ترفع مطالب الإصلاح والمحاسبة داخل المؤسسات العمومية.
لم يكن اعتقال البروفيسور رشيد شرقاب حدثا عاديا في نظر المتضامنين معه، ولا مجرد تفصيل في ملف قضائي انتهى بحكم ابتدائي بسنة واحدة حبسا نافذا. فالرجل طبيب وأستاذ جامعي، شغل سابقا مسؤولية قسم الإنعاش والتخدير بالمركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد، وعُرف في الأوساط التي تتابع قضايا الصحة بلقب «طبيب الفقراء»، بالنظر إلى ارتباط اسمه بالدفاع عن المرضى البسطاء ومساندة قضايا مهنية واجتماعية داخل القطاع الصحي.
اليوم، يجد هذا الطبيب نفسه وراء القضبان، بعدما جرى اعتقاله من داخل المحكمة الابتدائية الزجرية بعين السبع في الدار البيضاء، عقب صدور الحكم الابتدائي في حقه، بعدما كان يتابع في حالة سراح. مشهد أثار استياء واسعا لدى عدد من المتضامنين معه، وفتح نقاشا يتجاوز شخصه إلى أسئلة أكبر تتعلق بحماية المبلغين عن الفساد، والضمانات القانونية، ومصير الشكايات التي يضعها مواطنون وموظفون أمام المؤسسات المختصة.
ما يجعل قضية شرقاب محط اهتمام يتجاوز محيطه المهني هو أن اسمه ارتبط، وفق ما تداولته وسائل إعلام وتصريحات حقوقية، بإثارة شبهات اختلالات داخل مستشفى ابن رشد، والمطالبة بفتح تحقيقات بشأن تدبير بعض المرافق الصحية. كما سبق أن أثار قضايا تتعلق بحقوق العاملين وتنفيذ أحكام قضائية لفائدة أحد الموظفين.
وهنا يبرز السؤال الذي لا يمكن القفز عليه: ما مصير الشكايات التي سبق للطبيب أن أثارها؟ وهل جرى التعامل معها بالجدية اللازمة، والتحقق من الوقائع التي تضمنتها، وإطلاع الرأي العام على ما يمكن نشره من نتائج؟
فالمرضى الذين يواجهون صعوبات في الولوج إلى العلاج، والأسر التي تتحمل معاناة الانتظار ونقص الخدمات، والمواطنون الذين يطالبون بمستشفى عمومي يحفظ كرامتهم، جميعهم معنيون بكشف حقيقة أي اختلال محتمل في تدبير المؤسسات الصحية. ومن حقهم أن يعرفوا ما إذا كانت الشكايات قد خضعت للتحقيق، وما الذي انتهت إليه، وأين تقف المسؤوليات إذا ثبتت المخالفات.
لم يمر اعتقال شرقاب دون ردود فعل. فقد طالب الاتحاد الديمقراطي المغربي للشغل بإطلاق سراحه، فيما عبّر محمد الغلوسي، رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام، عن موقف منتقد لاعتقال الطبيب، محذرا من التداعيات المحتملة على حماية المبلغين عن الفساد وتشجيع المواطنين على كشف الاختلالات.
واعتبر الغلوسي أن القضية تطرح إشكالات حقوقية وقانونية تستحق النقاش، خصوصا في ظل ما أورده بشأن الشكايات التي سبق أن تقدم بها شرقاب إلى مؤسسات مختلفة للمطالبة بفتح أبحاث معمقة حول ما وصفه باختلالات داخل مستشفى ابن رشد. كما دعا إلى إطلاق سراح الطبيب والتحقيق بجدية في تلك الشكايات.
وتعكس هذه المواقف أن النقاش لم يعد محصورا في الحكم الصادر بحق شخص بعينه، بل امتد إلى سؤال الثقة في آليات التبليغ والمساءلة: كيف يمكن تشجيع الموظفين والمواطنين على كشف الاختلالات إذا أصبحوا يخشون أن تتحول مواقفهم وتصريحاتهم إلى مصدر لمتاعب قانونية أو مهنية؟
إن حماية المبلغين عن الفساد ليست امتيازا يمنح لأشخاص دون غيرهم، وإنما ضرورة لضمان وصول المعلومات إلى الجهات المختصة، ومساعدة المؤسسات على كشف التجاوزات المحتملة.
القضية تفرض على الجهات المعنية تقديم إجابات واضحة عن المسار الذي عرفته الشكايات التي سبق أن أثارها البروفيسور شرقاب بشأن مستشفى ابن رشد، وعن الإجراءات التي اتخذت للتحقق من مضمونها. فالمطلوب ليس إصدار أحكام مسبقة على أشخاص أو مؤسسات، وإنما التأكد من أن كل ادعاء جدي يحظى بالبحث اللازم، وأن كل مسؤولية تثبتها التحقيقات تُرتب عليها آثارها القانونية.
كما أن المطالبة بالإنصاف في قضية شرقاب لا تعني تجاهل المساطر القضائية، بل تعني فتح نقاش مسؤول حول ظروف اعتقاله، والضمانات القانونية المتاحة له، وحقه في الدفاع والطعن وفق القانون، بالتوازي مع عدم إهمال الملفات التي سبق أن أثارها.
فمن غير المقبول أن تتحول الأسئلة المتعلقة بالاختلالات المحتملة داخل مرفق صحي عمومي إلى تفاصيل هامشية، بينما ينصب الاهتمام كله على الشخص الذي أثارها. ومن غير المقبول أيضا أن يفقد المواطنون الثقة في جدوى التبليغ عن الفساد بسبب شعورهم بأن الشكايات قد لا تجد طريقها إلى تحقيق جدي وشفاف.
بالنسبة إلى المتضامنين مع البروفيسور رشيد شرقاب، فإن استمرار اعتقاله يمثل خسارة تتجاوز شخصه، بالنظر إلى مساره الطبي والأكاديمي وإلى ما ارتبط باسمه من مواقف بشأن حقوق المرضى واختلالات القطاع الصحي. ولذلك، تتجه المطالب المعلنة نحو إطلاق سراحه، وضمان حقوقه القانونية، وفتح تحقيق جدي في الشكايات التي سبق أن تقدم بها.
نحو سبعة أيام في السجن كانت كافية لتعيد قضية شرقاب إلى واجهة النقاش العام، وتفتح ملف حماية المبلغين عن الفساد وحقوق المرضى والمحاسبة داخل المؤسسات العمومية. ومع اتساع دائرة التضامن، يبقى المطلوب واضحا: إنصاف البروفيسور رشيد شرقاب، والتحقيق الجدي في الشكايات التي أثارها، وتقديم أجوبة واضحة للرأي العام، حتى لا يصبح الدفاع عن إصلاح المرفق الصحي طريقا إلى الصمت والعزلة بدل أن يكون مدخلا إلى المحاسبة والإصلاح.




