المعتوه في مسرحية قايد الواد

نجيب طلال

مبدئيا مسرحية ” قايد الواد” الذي أنجزتها جمعية ” أرلكلان” تندرج ضمن الظاهرة القايدية التي أسست منطقها السلطوي ما بين القرن (18/19)هاته السلطوية أعطتنا عن طريق المتخيل شخصية معتوه/ أحدب/ والتي شخصها ” جواد العلمي”الفنان المتألق في كل عرض يشارك فيه ، ولاسيما أنه يطور آليته بين كل عرض وآخر، وعرض لا يشبه الآخر من حيث التشخيص والأداء والإلقاء. لكن في عرض ” قايد الواد” حقيقة شخص شخصية من الصعب جدا أن يتقنها من لم يستطع تطويع جسده بين الجسد التشريحي والجسد البلاغي، لكن بالنسبة للمبدع ” جواد العلمي” حاول بكل طاقته إلغاء الجسد التشريحي، ليجعل المتلقي أمام جسد بلاغي،مستبعدا الاستعراض التشريحي كليا والذي يسقط فيه العديد من الممثلين،لأنه من أصعب التحديات التي تعترض أي فنان تشخيص شخصية تحمل تشوهات جسدية أو إعاقة عضوية؛ فهنا تكمن المخاطرة الكبرى، لكن الفنان ” جواد العلمي” بخبرته واستيعابه الكلي لشخصية “معتوه” كليا ، استطاع أن يلبَس الشخصية وتلبِسَه بشكل رهيب جدا، وبالمناسبة مرسلا عبر تشوهاته الجسدية رسائل ودلالات في سياق نظام علامات وشفرات تعبيرية لما يمثله ويحيله عليه من شخصية مشوهة جسديا ومعاقة.تحتاج لتحليل موسع.وقبل ذلك فشخصية “المعتوه” ذكرتني بشكل تلقائي بشخصية ” الأخرس” في المسلسل اللبناني (الأخرس) سنة – 1969- والذي قام بتشخيصه الممثل (أيلي صنيفر/1935- 2005) عن الرواية الشهيرة” لفيكتور هـيكو””أحدب نوتردام” وهذه الرواية العَـديد من الفـرق المصرية والكويتية قدمتها بشكل أو آخر… فمن زواية المقاربة فالفنان” جواد العلمي” تفوق على ذاته عبر تفوقه في تجسيد” المعتوه” صانعا بذلك كثلة سيموطيقية، أكثر إثارةً للتأمل تزامنا مع ظهوره باسم «معروف» الشاب الأحدب/ المشوه شكلا ومضمونا والذي عاش عقدين في عـزلة قاتلة ومدمرة بعدما أخفاه والده القايد( بوعلام) في حفرة، خوفا من انهيار سلطته جراء تشوهات ابنه، ومن زاوية أخرى سلطوية (الأب/ القايد) التي لا تعرف حنان الأبوة مما سعت لمحو انوجاد ابنه وحرمانه من طفولته وأحقيته في العـيش وبهذه القساوة فالسلطة لا تعترف بأي حدود أخلاقية .وبالتالي فالحفرة على مستوى المتخيل والتي تتحول إلى صورة مكثفة للسجن النفسي والبيولوجي والاجتماعي الذي فرضه استبداد “القايد على ابنه . المسألة على مستوى الواقع منوجدة في منطوق الاستبداد وشطط السلطة حتى الأسرية منها(؟) نموذج:” فضيحة بدوار بمنطقة “أكلموس” نواحي إقليم خنيفرة أمسى، ضحيتها سيدة مسنة محتجزة من قبل أفراد أسرتها لما يقارب الـ 20 سنة (1) أو[ مي حسيبة] تلك المسنة التي تبلغ من العمر 80 عام عاشت في كهف لسنين طويلة في ظلام دامس وبلا ماء أو كهرباء، وكانت تعاني من انعدام الطعام لفترات طويلة بل وصل بها الأمر إلى تناول التراب لتهدئة آلام جوعها الشديد.أو ما نشرته” صحيفة “ ديلي ميل” البريطانية مقطع فيديو صادم لسيدة صينية تبلغ من العمر 92 عاماً أجبرها أبناؤها على العيش في قفص لسنوات طويلة (2)
نحن هنا بإزاء نوع مشابه بين وضعية ( المعتوه) وبشر دفنوا أحياء في هامش الحياة ؛ من حيث الأبعاد النفسية والاجتماعية، لكن وجه الإختلاف يكمن بأن الفنان جواد العلمي بجسده التشريحي عاش مكابدة في الحياة الداخلية لشخصية (المعتوه ) المثقلة بعقد نفسية وصراعات داخلية لا تقل قسوة عن مظهره الخارجي،لتحقيق الأداء الصادق .مما تحول جسده فوق الركح لجسد بلاغي مشحون بطاقة سميوطيقية، مدخلها الإستناد على الإحساس الداخلي الذي تحقق عبر الاتصال الوجداني بين الجسد التشريحي والجسد البلاغي، لإحداث الانتباه تجاه أي حركة يقوم بها ، لها ما يبررها تبريرا داخليا ومنطقيا ومتصلا ببعضه اتصالا معقولا وواقعيا. وهنا تكمن القيمة الرمزية لشخصية( المعتوه) بعلاقتها بالمجتمع( يامنة) وبالسلطة( القايد)هنا:” إن قيمة عرض الممثل لا تتوقف على الإبداع الحياة الداخلية للدور فحسب وإنما تتوقف أيضا على التجسيد الحسي له (3) أي بشكل أو آخر لامناص من الخيال في إنماء الشخصية ، بغـية بناء الفعل الصادق. والجدير بالذكر أن تجسيد شخصية «المعتوه»، من خلال تطويع الجسد وجعله أداةً للتعبير عن الانفعالات، يشكّل في حدّ ذاته عملية إبداعية وتجربة أدائية جديدة بالنسبة إلى الممثل جواد، تختلف عن أدواره السابقة وعن الواقع المعـيش، وإن كانت تنبثق منه في معظم الأحيان. ويرتبط هذا الانبثاق بدلالات المظهر الخارجي وعلاقته بالمجتمع، وهو ما يتجلّى من خلال نظرات الشخصية الحادّة الموجّهة نحو الجمهور، الذي يمثّل، ضمنياً، المجتمعَ المستبطن في لاوعي الشخصية. كما تتجلّى هذه الدلالات عبر الحركات الرِّجلية التي اعتمدها الممثل، والتي أسهمت في تشكيل مثلث حركي ذي دلالة رمزية، يحيل إلى هرمية السلطة وبنية العلاقات القائمة على التراتبية والهيمنة. لأنه كثير الحركة تجاه ” المصطبة” التي تحيل على العلو والارتفاع، والتي لم يستطع الصعود إليها، نتيجة اللاتوازن والإختلال في وجود( المعتوه) مما يزيد من قوة المثلث والذي زاد في دلالة الهشاشة والقلق التي يعيشها ( الأحدب/ المشوه) قدميه معكوفتين بشكل متواز، إشارة دالة عن الحصار والانغلاق: الذي يشعـر به ( المعتوه/ الميتامورفوزي) وفي نفس اللحظة يعـبر عن القمع أو العزلة أو الشعور بالاختناق.وهذا الإحساس كان يعبر عنه لفظيا عدة مرات موازاة بحركة رأسه المتدلي للأسفل، نتيجة انحناء جسده كليا على شكل هيئة حرف ( L ) مقلوبًا بحَـسب تجاه الجسد الذي كان عليه ( المعتوه) بحيث ينحني الجذع أفقيا تقريبًا بينما ظلت الرجلين مرتكزتين عموديًا على الأرض، هاته الوضعية تتجاوز حدود الوضعية الفيزيائية ليغدو علامة بصرية مشحونة بالدلالات. فالجذع المنحني في مقابل الرجلين المنتصبتين توحي للحالة النفسية “للمعتوه” من جراء الخضوع و الاستسلام و الانكسار النفسي،نتيجة طمره في حفرة زهاء عشرين سنة، فلامناص أن يحدث ثقل المعاناة التي يحملها الجسد المسحوق تحت وطأة سلطة خارجية ( القايد) فطبيعي أن يتشكل جسده على شكل(L) مقلوبة كإرث للقهر و الإستبداد الذي خلفه ( له) والده ( بوعلام) حتى أن يديه شبه مشلولتين، وغير متوازيتين، بحيث اليد اليسرى متهدلة أكثر من اليمنى، ولكن الظهر ظل شبه مستوي رغم الحدبة التي على ظهره، وفي لحظات يظهر خوفه من خلال ارتعاد الأصبعين الظاهرين من اليد اليسرى، لأن بقية أصابع كفه معكوفة إلى حد الإنكماش، لكن الخطأ الذي ارتكبه نتيجة اندماجه الكلي في شخصية ( المعتوه) تحريك أصابعه اليمنى وارتعاشتها، ولكنه تدارك موقف شلل اليد اليمنى كلية، واندماجه الكلي في لحظة انخراطه في الغناء بشكل جميل جدا؛ رفقة الشيخة ( يامنة) حتى أن هنالك شبه تداخل شخصيته بشخصية ( يامنة) وطفح مشاعـر العشق و الحب التي يكنها لها، وهذا المشهد أو العلاقة الملتبسة بينهما ذكرتني كذلك بالفيلم المصري( ديك البرابر)(4) معتوه([ خلف] فاروق الفيشاوي) يعاني من “بله” واضح ويدين شبه مشلولتين، وهـو يعـيش بعقلية طفولية ناذرة جدا، فلقاءه بسيدة الحي( [عشرية] نبيلة عبيد) شكل منعطفًا إنسانيًا في مسار( الأبله/ خلف) نفس المسار بين ( معروف/ المعتوه = يامنة) لكن المفارقة تكمن في التشوه والمسخ المطلق – لمعتوه/ قايد الواد- وبله والتأتأة ( لخلف/ ديك البرابر) .
ففي هذا السياق هنالك أخطاء إخراجية انعكـست على شخصية ( المعتوه/ جواد العلمي) لكن بفطرته وحنكته وخبرته في التشخيص استطاع أن يخفي تلك الأخطاء والهفوات الإخراجية، نتيجة استيعابه الكلي لشخصية معتوه كليا ، إذ استطاع أن يلبَس الشخصية وتلبِسَه بشكل رهيب جدا، مرسلا عبر تشوهاته الجسدية رسائل ودلالات في سياق نظام علامات وشفرات تعبيرية لما يمثله ويحيله عليه من شخصية مشوهة جسديا ومعاقة. فكنا أمام كثلة سيموطيقية[ كما أشرت سلفا] تتقاطع إلي حد ما بشخصية “الأحدب نوتردام” ولكن الفنان جواد فوق الركح تفوق على الأحدب، بكل طاقته التعبيرية، بأن يتجاوز المعطى التشريحي المباشر، وأن يحرّر الجسد من أسر المحاكاة الخارجية، ليمنحه وظيفة بلاغية وجمالية. وهنا تحديدًا تكمن أهمية تجربته؛ إذ استطاع أن يتفادى ذلك المنزلق الذي يقع فيه بعض الممثلين … هذا إذا نظرنا للباسه المبرقع والمشوه بألوان مختلفة وغير منسجمة ؛ والتي تعبر دلاليا عن الهشاشة الإنسانية، والموقع الاجتماعي للشخصية ( المعتوه) داخل العالم الدرامي. لتشكل تلك العلاقة بين الجسد بوصفه مادة مرئية، والجسد بوصفه خطابا منتجا للمعنى. فهاته العلاقة والألوان التي يحملها لباسه كانت إلى حـد بعيد منسجمة مع حالته النفسية المنكسرة ووضعه الإجتماعي كذات مرفوضه اجتماعيا.
والمفارقة التي تحتاج لتأمل ونقاش جاد وجدي، أن ( جناب) (لجنة التحكيم) بدورها رفضته كممثل ولم تنصفه كطاقة مبدعة، والأسباب تكمن إذا قمنا بتحليل عقلاني للجوائز أين اتجهت ومالت رياحها (؟؟) وإن كنت شخصيا أرفض منطق الجوائز باعتبارهـا صانعة أوهــام في مدن “الإحباط”

الاستئناس:
1- حقيقة السيدة المحتــجزة في قفص مند 20 سنة لهشام شرق – صحيفة أش واقع تيفي في 07/11/2020
2- الفيديو في مجلة : بوابة بيروت بتاريخ 12/01/2017
3- إعداد الممثل في المعاناة الإبداعية: لكونستانتين ستانيسلافسكي – ترجمة لشريف شاكر- ص56 الهيئة المصرية العامة للكتاب/1997
4- شريط- ديك البرابر- من إنتاج سنه 1992 إخراج:لحسين كمال و بطولة نبيلة عبيد وفاروق الفيشاوي عبد الله غيث – وآخرون

 

 


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني