الجابري ومغرب ما بعد 2026: من نقد العقل إلى بناء النموذج النهضوي

الحسين بوخرطة

أفق النهضة: حين يصبح المستقبل سؤالاً للعقل والمجتمع والدولة
تكشف التحولات التي يعرفها المغرب في أفق ما بعد سنة 2026 عن مفارقة تستحق التأمل: فمن جهة، تتواصل جهود تحديث البنيات التحتية، وتطوير التجهيزات الترابية، وتعزيز الاستثمار، وتوسيع نطاق الخدمات العمومية؛ ومن جهة أخرى، لا تزال تحديات بناء المواطنة الفاعلة، وترسيخ الثقة في المؤسسات، والارتقاء بالسلوك المدني، وتطوير المشاركة السياسية، تفرض نفسها بإلحاح على الدولة والمجتمع. إنها مفارقة تضعنا أمام سؤال جوهري: كيف يمكن تحويل التقدم المادي والمؤسساتي إلى نهضة مجتمعية متكاملة، تجعل الإنسان غايتها ووسيلتها، وتمنحه القدرة على المشاركة الواعية في صناعة مستقبله؟
إن الرهان الحقيقي لا يكمن في مجرد امتلاك البنيات والتجهيزات، بل في بناء الإنسان القادر على استخدامها وصيانتها وتطويرها، وعلى تحويلها إلى أدوات لإنتاج النفع العام وتحسين شروط العيش المشترك. فالمواطنة لا تختزل في الانتماء القانوني إلى الدولة، ولا في المشاركة الظرفية في الانتخابات، وإنما تتجسد في منظومة متكاملة من الحقوق والواجبات والممارسات اليومية: احترام الفضاء العام، وصيانة البيئة، والتقيد بقواعد السير، وحماية الممتلكات المشتركة، والإسهام في الحياة الثقافية والرياضية، والانخراط في النقاش العمومي بالحجة والمعرفة، وممارسة الاختلاف في إطار من الاحترام والمسؤولية.
ومن هذا المنظور، يصبح الشارع النظيف، والحديقة العمومية المصونة، والإدارة الرقمية الفعالة، والمدرسة المنفتحة، والمرفق العمومي الخاضع للمساءلة، والمصنع الملتزم بالمعايير البيئية، والمؤسسة المنتخبة القادرة على تدبير الشأن المحلي، مؤشرات مترابطة على مستوى نضج العلاقة بين الفرد والمجتمع والدولة. ولا يتعلق الأمر هنا بمجرد مظاهر سلوكية منفصلة، بل بتعبير عن ثقافة سياسية ومدنية تتشكل داخل الأسرة والمدرسة والجامعة والإعلام والأحزاب والنقابات والجماعات الترابية ومختلف مؤسسات التنشئة والتأطير.
إن التحدي الذي يواجه المغرب لا يتمثل، إذن، في تسريع التنمية الاقتصادية والعمرانية فحسب، بل في ضمان تلازمها مع تنمية الإنسان، وتعزيز استقلاليته الفكرية، وترسيخ مسؤوليته الأخلاقية، وتوسيع قدرته على الفعل السياسي. فالتنمية التي لا تتحول إلى وعي وممارسة ومؤسسات فعالة تظل معرضة للتعثر، كما أن التحديث الذي لا يصاحبه تحول في العقليات والقيم قد ينتج مظاهر حداثة مادية دون أن يؤسس بالضرورة لمجتمع حديث في سلوكه السياسي والمدني.
من هنا تبرز راهنية السؤال الذي شغل المفكر المغربي محمد عابد الجابري: كيف يمكن للأمة أن تستأنف مشروعها النهضوي انطلاقاً من نقد آليات التفكير التي أسهمت في إنتاج التخلف وإعادة إنتاجه؟ وكيف يمكن تحويل المعرفة إلى قوة تاريخية قادرة على تجديد الإنسان والمجتمع والدولة؟
أولاً: محمد عابد الجابري وسؤال النهضة العربية
لم يكن مشروع محمد عابد الجابري مجرد محاولة لتفسير تعثر النهضة العربية، بل كان سعياً إلى تفكيك البنيات المعرفية والثقافية والسياسية التي حكمت تشكل العقل العربي، وإلى البحث عن شروط تجاوزها من داخل قراءة نقدية للتراث واستيعاب واعٍ لمقتضيات الحداثة. فقد انطلق من فكرة مركزية مفادها أن إصلاح الواقع لا يكتمل بتغيير المؤسسات والهياكل وحدها، إذا ظلت أنماط التفكير والقيم التي توجه الفعل الفردي والجماعي على حالها.
فالنهضة، وفق الأفق الذي يفتحه مشروعه، ليست مجرد استقلال سياسي، أو نمو اقتصادي، أو توسع في التجهيزات، أو استيراد لنماذج مؤسساتية جاهزة. إنها، قبل ذلك وبعده، عملية تاريخية مركبة تستلزم إعادة بناء العلاقة بين العقل والتراث، وبين المعرفة والسياسة، وبين القيم والممارسة، وبين الحرية والمسؤولية. وهي بذلك مشروع لتحرير الإنسان من أشكال التبعية الفكرية التي تعوق قدرته على الفهم والنقد والاختيار، وتمكنه من الإسهام الواعي في بناء شروط تقدمه.
لقد رفض الجابري التعامل مع التراث باعتباره كتلة متجانسة مغلقة، سواء من خلال تقديسه أو من خلال الدعوة إلى القطيعة الشاملة معه. فالتراث، في نظره، ليس ماضياً ميتاً ينبغي التخلص منه، ولا مرجعية مكتملة ينبغي الخضوع لها دون مساءلة؛ إنه حصيلة تاريخية متعددة البنيات والاتجاهات، لا يمكن استئنافها بصورة منتجة إلا عبر إخضاعها للفحص التاريخي والنقد المعرفي.
ومن هنا تتضح أهمية شعاره الفكري الذي يلخص موقفه من إشكالية الأصالة والمعاصرة: حداثة بلا اغتراب، وتراث بلا تقليد أعمى. فالمطلوب ليس استنساخ التجربة الغربية، ولا الاحتماء بالماضي هرباً من أسئلة الحاضر، وإنما بناء علاقة نقدية خلاقة بين الموروث الثقافي ومتطلبات العصر، تسمح بتمييز ما يتيح إمكانات للتجديد مما تحول إلى عائق أمامه.
إن القيمة النهضوية لهذا التصور تكمن في أنه يجعل استيعاب الحداثة عملية عقلية وتاريخية داخل المجتمع، لا مجرد انتقال شكلي للمؤسسات والقوانين. كما يجعل التراث موضوعاً للمعرفة والنقد، لا أداة جاهزة لإغلاق النقاش أو تبرير الواقع. وبذلك يفتح المجال أمام إمكان بناء مشروع عربي نهضوي يستند إلى الخصوصيات التاريخية والثقافية، دون أن يجعل منها مبرراً للانغلاق أو بديلاً عن مقتضيات العقلانية والحرية والديمقراطية.
ثانياً: من نقد العقل العربي إلى تجديد العقل السياسي المغربي
تتجلى إحدى أهم إسهامات الجابري في نقل النقاش حول النهضة من مستوى المطالبة بالإصلاح إلى مستوى مساءلة الشروط الفكرية والتاريخية التي تجعل الإصلاح ممكناً أو تعوق تحققه. فالسؤال لا يتعلق فقط بما ينبغي تغييره في السياسة والاقتصاد والإدارة، بل أيضاً بكيفية تشكل العقل الذي يفكر في هذه المجالات، وبالمرجعيات والقيم التي توجه ممارسات الفاعلين داخلها.
وفي مشروعه لنقد العقل العربي، درس الجابري أنظمة المعرفة التي أسهمت في تشكيل الثقافة العربية الإسلامية، وميز، في إطار تحليله، بين البيان والعرفان والبرهان، باعتبارها أنظمة معرفية تتباين في طرائق إنتاج المعرفة وتبريرها وبناء الحقيقة. ولا تكمن أهمية هذا التمييز في ترتيب هذه الأنظمة بصورة تجريدية، بل في الكشف عن آثارها في التفكير العربي، وفي إمكان إعادة الاعتبار للعقل النقدي والبرهاني، القائم على الاستدلال والفحص والتمييز بين الرأي والحجة، وبين الموروث التاريخي والحقيقة التي يمكن الدفاع عنها معرفياً.
إن استثمار هذا المدخل في السياق المغربي يقتضي عدم التعامل مع العقل المغربي باعتباره بنية ثابتة أو جوهراً ثقافياً مغلقاً، وإنما باعتباره حصيلة تاريخية لتفاعلات المجتمع والدولة والمؤسسات والتعليم والاقتصاد والثقافة. فالمطلوب هو فهم الكيفية التي تشكلت بها أنماط التفكير والممارسة السياسية في المغرب، وكيف تفاعلت فيها المرجعيات الدينية والعلاقات الاجتماعية والتقاليد المحلية والتحولات المؤسساتية، وما الذي ينبغي الاحتفاظ به أو تجاوزه أو إعادة تأويله في ضوء متطلبات بناء الدولة الديمقراطية الحديثة.
وفي هذا السياق، يكتسب مشروع الجابري حول العقل السياسي العربي أهمية خاصة، ولا سيما تحليله للمفاهيم والآليات التي أسهمت تاريخياً في تنظيم السلطة، كما تناولها من خلال مفاهيم العقيدة والقبيلة والغنيمة. ولا ينبغي اختزال هذه المفاهيم في كونها أوصافاً عابرة لمراحل تاريخية انتهت، بل يمكن استثمارها أدواتٍ للتحليل النقدي، شريطة التحقق من مدى استمرار آثارها في الممارسات السياسية المعاصرة، وعدم إسقاطها آلياً على جميع التجارب العربية أو المغربية.
إن السؤال الذي ينبغي أن يوجه البحث في المغرب اليوم هو: إلى أي حد استطاعت المؤسسات الحديثة أن تتجاوز منطق الولاءات الضيقة، وتغليب المصالح الخاصة، وتوظيف الموارد العمومية خارج مقتضيات المصلحة العامة؟ وإلى أي حد أصبحت المنافسة السياسية قائمة على البرامج والكفاءة والمحاسبة، بدل أن تتأثر بالشبكات الزبونية أو الحسابات الانتخابية قصيرة المدى؟
لا يتعلق الأمر بإصدار أحكام عامة على الفاعلين السياسيين أو على المجتمع، بل ببناء أدوات علمية تسمح بفهم التوتر بين منطق الدولة الحديثة ومنطق العلاقات التقليدية، وبين متطلبات المواطنة وممارسات قد تعيد إنتاج التبعية، وبين الاختصاصات القانونية للمؤسسات وقدرتها الفعلية على ممارسة سلطاتها وتحمل مسؤولياتها.
ومن ثم، فإن تجديد العقل السياسي المغربي يقتضي وصل النقد المعرفي بتحليل المؤسسات والقوانين والحوافز الاقتصادية والاجتماعية التي تؤثر في سلوك الفاعلين. فالعقلانية السياسية لا تنشأ من الأفكار وحدها، كما أن المؤسسات لا تعمل بمعزل عن الثقافة والقيم؛ وإنما يتشكل الفعل السياسي في منطقة التفاعل بين المعرفة والقواعد والمؤسسات والمصالح والممارسات اليومية.
ثالثاً: العقل الأخلاقي وإعادة بناء الإنسان المواطن
إذا كان نقد العقل المعرفي يتيح فهم أنماط إنتاج المعرفة وتداولها، وكان نقد العقل السياسي يساعد على تفسير آليات تشكل السلطة وممارستها، فإن سؤال النهضة يظل ناقصاً ما لم يمتد إلى البعد الأخلاقي الذي يوجه سلوك الأفراد والجماعات والمؤسسات.
لقد أدرك الجابري، في مشروعه حول العقل الأخلاقي العربي، أن إصلاح السياسة لا ينفصل عن إصلاح منظومة القيم التي تحكم الممارسة السياسية والاجتماعية. فالحرية التي لا تستند إلى المسؤولية قد تتحول إلى تبرير للفوضى، والسلطة التي لا تقيدها قواعد أخلاقية وقانونية قد تنقلب إلى وسيلة للهيمنة، والواجب الذي لا يقترن بالوعي بالحقوق قد يصبح مدخلاً إلى الخضوع، كما أن الدعوة إلى الفضيلة التي لا تخضع للنقد والمساءلة قد تتحول إلى خطاب لتبرير الوصاية على الأفراد.
من هنا، فإن بناء الإنسان المواطن يستلزم تجاوز التصور الذي يحصر التربية في نقل المعارف أو إعداد الأفراد للاندماج في سوق الشغل. فالتربية النهضوية ينبغي أن تجمع بين المعرفة والتفكير النقدي والاستقلالية والمسؤولية، وأن تساعد المتعلم على فهم حقوقه وواجباته، واحترام الاختلاف، وتدبير النزاع بالحوار، والتمييز بين المصلحة الخاصة والمصلحة العامة.
ويقتضي ذلك إعادة النظر في أدوار المدرسة والجامعة والإعلام والثقافة والمجتمع المدني، بما يجعلها فضاءات لتكوين المواطن القادر على المشاركة، لا مجرد قنوات لنقل المعلومات أو إعادة إنتاج أنماط التفكير السائدة. كما يستلزم أن تكون المؤسسات العمومية نفسها قدوة في احترام القانون والشفافية والإنصاف وجودة الخدمات، لأن التربية على المواطنة تفقد جانباً مهماً من أثرها عندما يجد المواطن تناقضاً بين القيم التي يتلقاها والخبرات التي يعيشها في علاقته بالإدارة أو المدرسة أو القضاء أو المؤسسة المنتخبة.
ولا يمكن مطالبة المواطن باحترام الفضاء العام إذا لم تتوفر شروط صيانته وتدبيره العادل، كما لا يمكن ترسيخ الثقة في المؤسسات من دون وضوح المسؤوليات، وتكافؤ الفرص، وربط السلطة بالمحاسبة. فالسلوك المدني ليس مجرد فضيلة فردية، بل هو أيضاً نتيجة للبيئة المؤسسية والاجتماعية التي تشجع السلوك المسؤول أو تعوقه.
وعليه، فإن تجديد العقل الأخلاقي المغربي يقتضي بناء علاقة متوازنة بين الحقوق والواجبات، وبين الحرية والمسؤولية، وبين المبادرة الفردية والتضامن الاجتماعي. كما يقتضي الانتقال من أخلاق الوعظ المجرد إلى أخلاق الممارسة والمؤسسات، حيث تصبح النزاهة قاعدة في تدبير الشأن العام، والإنصاف مبدأ في تقديم الخدمات، واحترام القانون التزاماً يسري على الجميع دون استثناء.
رابعاً: الانتخابات والمواطنة الترابية واختبار الدولة الديمقراطية
تظل الانتخابات إحدى المحطات الأساسية التي تختبر فيها المجتمعات مستوى نضجها السياسي وقدرتها على تحويل الاختلاف إلى تنافس ديمقراطي منتج. غير أن قيمتها لا تقاس بمجرد انتظامها أو ارتفاع المشاركة فيها، وإنما كذلك بمدى تعبيرها عن إرادة الناخبين، وقدرة المؤسسات المنبثقة عنها على ممارسة اختصاصاتها، والاستجابة لحاجات المواطنين، والخضوع للمحاسبة.
ومن هذا المنطلق، فإن التحدي المغربي لا يتمثل في تنظيم الاستحقاقات الانتخابية وحدها، بل في ترسيخ شروط تجعلها آلية فعلية لتجديد النخب، وتداول المسؤوليات، وتقييم البرامج، وربط القرار العمومي بالنتائج. ويتطلب ذلك تطوير الحياة الحزبية، وتعزيز الديمقراطية الداخلية، وتحسين آليات اختيار المرشحين، وتوسيع مشاركة الشباب والنساء، والرفع من جودة التأطير السياسي، وإرساء علاقة أكثر انتظاماً بين المنتخبين والناخبين قبل الانتخابات وبعدها.
كما يقتضي تجاوز اختزال السياسة في المواسم الانتخابية، وتحويل المشاركة إلى ممارسة يومية تشمل تتبع السياسات العمومية، والمساهمة في النقاش المحلي، وتقييم الخدمات، والمشاركة في إعداد المشاريع الترابية، ومساءلة المسؤولين عن قراراتهم ونتائجها.
وتكتسب المواطنة الترابية، في هذا السياق، أهمية خاصة. فالمواطن لا يختبر الدولة من خلال النصوص الدستورية والقوانين فقط، بل يختبرها أيضاً من خلال المدرسة القريبة منه، والمركز الصحي، ووسائل النقل، والنظافة، والإنارة، والفضاءات الخضراء، والأنشطة الثقافية والرياضية، وسرعة معالجة شكاياته، وجودة الخدمات التي يحصل عليها. لذلك، فإن الجماعة الترابية ليست مجرد وحدة إدارية لتدبير الخدمات، بل فضاء لتعلم الديمقراطية وممارستها، ومجالاً لبناء الثقة بين المواطن والمؤسسات.
ويستدعي هذا التصور وصل اللامركزية والجهوية بتقوية القدرات التدبيرية للمنتخبين والأطر، وتحسين آليات التخطيط والتقييم، وتطوير المشاركة المواطنة، وضمان العدالة المجالية في توزيع الموارد والخدمات. فالمواطنة الترابية لا تتحقق بمجرد الانتماء إلى مجال جغرافي، وإنما تتجسد عندما يشعر المواطن بأنه شريك في تحديد أولوياته، وقادر على التأثير في القرارات التي تمس حياته اليومية.
إن الدولة المغربية مطالبة، بهذا المعنى، بالاستثمار في الديمقراطية باعتبارها ثقافة وممارسة ومؤسسات، لا باعتبارها إجراءات انتخابية فقط. كما أن الأحزاب مطالبة بتجديد وظائفها التأطيرية والفكرية، والإعلام مطالب بتوسيع مجال النقاش العمومي الرصين، والمدرسة مطالبة بتربية الناشئة على المشاركة، والمجتمع المدني مطالب بتطوير قدراته في الاقتراح والتتبع والتقييم.
وبذلك يصبح إصلاح العقل السياسي مرتبطاً مباشرة بتحسين شروط ممارسة المواطنة، ويغدو نقد آليات إنتاج السلطة مدخلاً إلى بناء مؤسسات أكثر فعالية وإنصافاً واستجابة للمصلحة العامة.
خامساً: من مشروع الجابري إلى نموذج نهضوي مغربي متجدد
إن استحضار مشروع الجابري في مغرب ما بعد 2026 ينبغي ألا يقتصر على استعادة نصوصه أو الاحتفاء بقيمتها الفكرية، بل يجب أن يتجه إلى اختبار قدرتها على إضاءة مشكلات الحاضر، وإنتاج أسئلة جديدة، والمساهمة في بلورة بدائل قابلة للنقاش والتطبيق. فالمفكر لا يستعيد راهنيته بمجرد تكرار مفاهيمه، وإنما بقدر ما تساعدنا أدواته على فهم واقع متحول واستشراف إمكاناته.
وفي هذا الإطار، يمكن بناء تصور نهضوي مغربي يستفيد من التكامل بين نقد العقل المعرفي، ونقد العقل السياسي، ونقد العقل الأخلاقي، مع الانفتاح على التحولات التي تفرضها الرقمنة والذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الأخضر، وتغير المناخ، وتبدل أنماط العمل، وتنامي الفوارق الاجتماعية والمجالية، والتحولات التي تعرفها علاقة الأجيال الجديدة بالسياسة والثقافة والمؤسسات.
ولا يتعلق الأمر بإضافة قضايا جديدة إلى مشروع الجابري بصورة شكلية، بل باستثمار منهجه النقدي في مساءلة الشروط الفكرية والمؤسساتية التي تسمح للمجتمع المغربي باستيعاب هذه التحولات والمشاركة في توجيهها. فالرقمنة، مثلاً، لا تمثل تقدماً في حد ذاتها إذا لم تقترن بتيسير الخدمات، وحماية المعطيات الشخصية، وضمان الولوج المنصف، وتحسين جودة الإدارة. والذكاء الاصطناعي لا يصبح أداة للنهضة لمجرد إدخاله إلى المؤسسات، بل عندما يوظف في توسيع المعرفة وتحسين القرار ورفع الإنتاجية، مع مراعاة الإنصاف والمساءلة والمخاطر الأخلاقية. كما أن الانتقال البيئي لا يكتمل ببناء التجهيزات الخضراء إذا لم يصاحبه تحول في السلوك الفردي والجماعي وفي أنماط الإنتاج والاستهلاك.
إن النموذج النهضوي المنشود لا يمكن أن يكون نسخة جاهزة من تجربة أجنبية، ولا صيغة مغلقة تستمد مشروعيتها من الخصوصية وحدها. إنه نموذج ينبغي أن يتشكل من تفاعل نقدي بين التاريخ المغربي، ومرجعياته الثقافية، ومكتسباته الدستورية والمؤسساتية، والمعارف الإنسانية المعاصرة، والتجارب الدولية الناجحة. وبهذا المعنى، تصبح الخصوصية المغربية مجالاً للإبداع والاجتهاد، لا ذريعة لتعليق الإصلاح أو تأجيله.
ولتحويل هذا التصور إلى مشروع عملي، يمكن اقتراح خمسة مداخل مترابطة:
أولاً: إصلاح منظومة التربية والتكوين. وذلك من خلال جعل التفكير النقدي، والاستدلال، والبحث العلمي، والتربية المدنية، والثقافة الفنية، والوعي البيئي، والمهارات الرقمية عناصر أساسية في بناء شخصية المتعلم. فالمطلوب ليس إنتاج أفراد يحفظون المعارف فحسب، بل مواطنون يستطيعون تحليل الوقائع، وفهم المؤسسات، والتمييز بين المعلومة الموثوقة والتضليل، والمشاركة في اتخاذ القرار.
ثانياً: تجديد الحياة السياسية والمؤسساتية. عبر تقوية الأحزاب، وتطوير آليات المشاركة والمساءلة، وتحسين جودة تدبير الجماعات الترابية، وتوسيع إمكانات مشاركة المواطنين في إعداد السياسات العمومية وتتبع تنفيذها. ويجب أن يقترن ذلك بتقييم موضوعي للنتائج، وبربط المسؤولية بالمحاسبة، وبترسيخ الثقة من خلال الممارسة اليومية للمؤسسات.
ثالثاً: بناء أخلاق عمومية قائمة على النزاهة والإنصاف والمسؤولية. ويتطلب ذلك تحويل القيم المعلنة إلى قواعد عملية في الإدارة والاقتصاد والسياسة، ومواجهة تضارب المصالح، وتعزيز الشفافية، وضمان تكافؤ الفرص، ونشر ثقافة احترام المال العام والممتلكات المشتركة. فلا يمكن للأخلاق أن تصبح رافعة للنهضة إذا ظلت منفصلة عن آليات التقييم والمساءلة.
رابعاً: جعل الثقافة والمعرفة رافعتين للتنمية. من خلال دعم القراءة والمكتبات والسينما والمسرح والفنون الجميلة والرياضة والبحث العلمي، وتوسيع الولوج إلى الفضاءات الثقافية، ولا سيما في المناطق الأقل استفادة من التجهيزات والخدمات. فالمجتمع الذي يتيح لأفراده فرصاً أوسع للتعبير والتذوق والحوار يكون أقدر على تطوير الحس النقدي، وتدبير الاختلاف، وإنتاج المبادرات الجماعية.
خامساً: إرساء منظومة وطنية للتفكير الاستراتيجي والتقييم. تقوم على التعاون بين الجامعات ومراكز البحث ومؤسسات الدولة والفاعلين الاقتصاديين والمجتمع المدني، بهدف دراسة التحولات المجتمعية، وقياس تطور الثقة والمشاركة وجودة الخدمات، وتقييم السياسات العمومية، وصياغة سيناريوهات مستقبلية قابلة للمراجعة. فالنموذج النهضوي لا يبنى بالشعارات، وإنما بالمعرفة المتراكمة، والتجريب، والتقييم، والتصحيح المستمر.
إن هذه المداخل لا تمثل وصفة جاهزة أو بديلاً عن الاختيارات الدستورية والسياسية للمجتمع، بل تشكل إطاراً للنقاش والتخطيط، يسمح بربط الإصلاح الفكري بتحولات ملموسة في التعليم والسياسة والإدارة والثقافة والاقتصاد.
سادساً: التراث والقرآن الكريم وتجديد الفهم في أفق النهضة
يشكل سؤال التراث أحد المداخل الأساسية لفهم مشروع الجابري، وقد امتد اهتمامه إلى القرآن الكريم من خلال مؤلفيه «مدخل إلى القرآن الكريم» و«فهم القرآن الحكيم». ويقتضي استحضار هذا الجانب التمييز بين نقد أنماط التفكير التي تشكلت تاريخياً حول النص الديني، وبين النص نفسه، وبين القراءات والتأويلات التي أنتجتها سياقات معرفية واجتماعية متباينة.
فالتجديد المعرفي لا يتحقق بإقصاء التراث الديني من النقاش حول النهضة، كما لا يتحقق بإغلاق باب البحث فيه. وإنما يقتضي تطوير أدوات الفهم التاريخي واللغوي والمعرفي، والتمييز بين سياقات النزول، وتاريخ التفسير، وتعدد مناهج التأويل، والأسئلة التي يطرحها الحاضر. ومن شأن هذا التمييز أن يتيح نقاشاً أكثر دقة حول العلاقة بين النص الديني والثقافة السياسية، وبين القيم الدينية ومفاهيم العدل والشورى والمسؤولية والمصلحة العامة.
ويستدعي هذا المسار تشجيع البحث العلمي الرصين، وتوسيع الحوار بين الدراسات القرآنية والتاريخ والفلسفة والعلوم الاجتماعية، مع احترام التعدد الفكري والمذهبي، وتجنب اختزال النصوص في قراءات ظرفية أو توظيفها لتبرير مواقف سياسية مسبقة. فالمطلوب ليس فرض تأويل واحد على المجتمع، وإنما تطوير شروط المعرفة والحوار، وتمكين الأجيال من التمييز بين البحث العلمي والخطاب الدعائي، وبين الاجتهاد المسؤول والادعاء غير المؤسس.
ومن هذا المنظور، فإن استثمار مشروع الجابري لا يعني التسليم النهائي باستنتاجاته، بل يقتضي إخضاعها هي الأخرى للنقاش النقدي، وتقييم حدودها وإمكاناتها، ومقارنتها بإسهامات فكرية أخرى. فالعقلانية التي يدعو إليها المشروع لا يمكن أن تتحول إلى مرجعية مغلقة، بل ينبغي أن تظل ممارسة مستمرة للنقد والمراجعة والتصحيح.
وهنا تتجلى إحدى أهم دلالات النهضة: أن المجتمع الذي يريد تجديد علاقته بتراثه يحتاج إلى امتلاك أدوات معرفية تسمح له بقراءته دون تقديس يعطل التفكير، ودون قطيعة تفقده القدرة على فهم تاريخه. فالتراث يصبح مورداً للنهضة عندما يتحول إلى موضوع للفهم والنقد والاجتهاد، لا عندما يستخدم بديلاً عن التفكير في تحديات الحاضر والمستقبل.
خاتمة: من استعادة الجابري إلى استئناف المشروع النهضوي
إن مغرب ما بعد 2026 مدعو إلى تجاوز التصور الذي يجعل التنمية مرادفة لتراكم الاستثمارات والتجهيزات والبنيات التحتية، دون أن ينكر أهميتها الحاسمة. فالنهضة الحقيقية تتطلب بناء علاقة متوازنة بين التقدم المادي والارتقاء المعرفي، وبين تحديث المؤسسات وتجديد الثقافة السياسية، وبين الحقوق والواجبات، وبين الحرية والمسؤولية، وبين الخصوصية والانفتاح على التجارب الإنسانية.
ومن هنا تبرز راهنية محمد عابد الجابري، لا باعتباره صاحب أجوبة نهائية عن مشكلات المغرب والعالم العربي، بل باعتباره مفكراً جعل النقد مدخلاً إلى فهم شروط النهضة، وربط إشكالية التراث بإشكالية العقل، وإشكالية العقل بإشكالية السياسة والأخلاق. وتكمن أهمية استحضاره اليوم في تحويل هذا الإرث الفكري إلى برنامج للأسئلة والبحث والتربية والإصلاح، لا إلى مجرد مادة للاحتفاء الثقافي.
إن التحدي المطروح أمام الدولة والمجتمع المغربيين هو الانتقال من استهلاك المعرفة إلى إنتاجها، ومن الاكتفاء بإصلاح المظاهر إلى مساءلة البنيات التي تعيد إنتاج الاختلالات، ومن التعامل مع المواطن باعتباره مستفيداً من الخدمات إلى الاعتراف به شريكاً في صياغة السياسات العمومية ومراقبة تنفيذها. ويتطلب ذلك تعبئة المؤسسات التعليمية والجامعية والإعلامية والثقافية والسياسية، وتوفير شروط المشاركة الحرة والمسؤولة، وتوسيع مجال البحث والنقاش العمومي.
كما أن بناء النموذج النهضوي العربي يظل رهيناً بقدرته على الجمع بين تعدد التجارب الوطنية ووحدة الأسئلة الكبرى التي تواجه المجتمعات العربية: كيف نبني دولة القانون؟ وكيف نرسخ المواطنة؟ وكيف نجعل العقلانية أساساً لاتخاذ القرار؟ وكيف نحول التراث إلى رافعة للإبداع بدلاً من جعله عائقاً أمام التجديد؟ وكيف نضمن أن تكون التنمية في خدمة الإنسان وكرامته وحريته وقدرته على الفعل؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا يمكن أن تأتي من استعادة الماضي وحده، ولا من استيراد نماذج جاهزة، بل من عمل تاريخي طويل تتفاعل فيه المعرفة والمؤسسات والقيم والممارسة. وفي هذا الأفق، يمكن لمشروع الجابري أن يسهم في بلورة رؤية نهضوية مغربية وعربية تجعل العقل أداة للتحرر، والأخلاق أساساً للمسؤولية، والسياسة مجالاً لخدمة الصالح العام، والإنسان غاية كل تنمية.
فلا نهضة بلا عقل نقدي، ولا عقل نقدي بلا تربية على الحرية والمسؤولية، ولا سياسة ديمقراطية بلا مؤسسات خاضعة للمساءلة، ولا تنمية مستدامة بلا مواطن فاعل يشعر بأن مستقبله ليس قراراً يصنعه الآخرون نيابة عنه، بل مشروعاً يشارك في بنائه، ويملك من المعرفة والحرية والثقة ما يؤهله للدفاع عنه.
ذلك هو الرهان الذي يجعل العودة إلى الجابري أكثر من استعادة لمفكر مغربي كبير؛ إنها دعوة إلى استئناف التفكير في شروط النهضة، وإلى تحويل النقد من ممارسة فكرية إلى قوة مجتمعية ومؤسساتية، قادرة على فتح أفق جديد أمام المغرب والمجتمعات العربية في عالم تتسارع تحولاته وتتزايد فيه كلفة التأخر عن إنتاج المعرفة وصناعة المستقبل.

 


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني