في غرفة مأساوية أو بالأحرى شبيهة بالغرفة و بالضبط على سطح إحدى البنايات المتواجدة في الحي المحمدي بالدار البيضاء ، مكان يفتقر إلى أدنى شروط العيش هناك يسكن ، سمير السيد مصطفى عباس،المصري الجنسية رفقة زوجته المغربية ، خديجة، و ابنته، ايمان، البالغة من العمر العشر سنوات.
سمير العائد من ليبيا هربا من حرب أرغمته على ترك أغراضه و كامل نشاطه.
●معاناة من جحيم الحرب..
تفاقمت معاناة المهاجرِين في ليبيا، مع انزلاق الوضع في البلاد، و أصبحوا يعيشون جحيم الحرب بكل بشاعته،
“احنا كنا بنشوف الموت كل دقيقة” بلهجة مصرية يقولها سمير بنبرة حزينة، و قلب منكسر، وعيناه زائغة مُحتقنة بالدموع.
مضيفا،لكن هذه المرة دموعه متسربة من عينيه و بنبرة حادة : “دخلوا علينا الساعة ثلاثة بالليل و خذوني انا و مراتي و بنتي و خاذوا الحاجة اللي كانت في الدار و كانت داري ملك، بدورين و كنت مسكن معايا مغاربة و مصريين…
توقف سمير عن الكلام و شرب كوبا من الماء قبل أن يكمل حديثه بصوت مبحوح و نفس متقطعة قائلا : ” حبسونا 18 يوم بكابلون دجاج (حظيرة دجاج) بالجبل و كل يوم بيمر علينا بيكون أصعب من اللي سبقو، شفنا العذاب بكل أنواعه”
معاناة لم تستثن سمير فقط بل كان هناك محتجزون مغاربة و مصريون و آخرون من دول أفريقية السمراء حسب ما جاء في حديثه.
●الإفراج عن سمير و أسرته و العودة إلى المغرب
16 ألف مواطن مغربي تم ترحيلهم من ليبيا جراء الحرب التي اندلعت بين نظام القذافي و الثوار، حوالي 12 ألف منهم تم ترحيلهم على نفقة الدولة بتأطير من الوزارة المكلفة بالمغاربة المقيمين بالخارج وشؤون الهجرة ووزارة الشؤون الخارجية والتعاون وقنصليات المملكة المغربية بتونس وطرابلس وبنغازي وسفارة المملكة بمصر ومؤسسة محمد الخامس للتضامن وشركة الخطوط الملكية المغربية وغيرهم من الفاعلين في هذه العملية و ذلك حسب الوزارة المكلفة بالمغاربة المقيمين بالخارج وشؤون الهجرة، بينما غادر حوالي أربعة آلاف مواطن الأراضي الليبية على نفقتهم الخاصة، كما تختلف وسيلة النقل المعتمدة لترحيل المهاجرِين و كذا بلد العودة حيث بلغ عدد المواطنين العائدين من مصراتة، طرابلس و بنغازي عبر الباخرة 5888 شخصا منهم “سمير” بعد أن تم الإفراج عنه و أسرته في حين بقي عدد كبير من المحتجزين منهم مغاربة حسب قوله.
لم يتوقف سمير عن شكر الملك و هو يحكي لنا عن ولادة حياة جديدة بالنسبة له بعد أن وطأت قدماه سطح الباخرة : ” الله ينصر سيدنا الملك لولاه هو لا كنا بقينا هنا و متنا و لا حد سما علينا، الله يخليك يا سيدي الملك و يخلي لك ولادك”
●نهاية معاناة الحرب و بداية معاناة أخرى…
بعد عودته إلى المغرب بدأ “سمير” البحث عن عمل و كله أمل في إعادة بناء مستقبل جديد يضمن له و أسرته الاستمرارية في العيش و يعوض و لو جزءًا بسيطا مما سلبته منه الحرب، إلى أن اشتغل بإحدى شركات بناء أردنية قضى فيها قرابة عام و نصف ليتعرض بعدها إلى حادثة شغل فقد على إثرها القدرة على الحركة، هنا بدأ شريط معاناة جديدة.
“كل يوم بخرج الساعة ستة الصبح بدور على شغل و برجع بالليل و مامعيش و لا درهم، حاكل منين انا و مراتي و بنتي، و في يوم صادفت رجل طيب، قال لي إنه بيشتغل بشركة بناء أردنية و لازمها عمال و انا كنت فلبيا مقاول و بمتهن الحرفة ده، رحت و الحمد لله اشتغلت عام و نصف معهم، و في يوم كنت في الدور الثاني و ربنا شاء و حكم و سقطت من فوق على ظهري و الحمد لله على كل حال.” يقول سمير.
و يضيف : ” سبوني في الشغل و بيتوني هناك لحد الصبح بعدها ودوني للدكتور تبعهم وضعوا لي جبس و ردوني للشغل أبيت هناك في غرفة تبع الورشة اللي بشتغل فيها، و ظلوا يصرفو علي لمدة ثلاثة أشهر و مراتي بتزرني كل يوم هي و بنتي و بعطيها المصروف من اللي باخذو من الشغل و قلت أوفر شوية عشان اخد مراتي و بنتي و اروح ع مصر.”
بعد مرور ثلاثة أشهر و بعد أن تيقن رب الشغل من عدم متابعته من طرف سمير خلا سبيله، بعدها توجه سمير رفقة زوجته إلى الدكتور للكشف و الاطمئنان على حالته الصحية فكانت الصدمة قوية حيث أخبره الطبيب بضرورة إجراء عملية على مستوى الظهر و الصدمة الكبرى أن نسبة نجاحها ضئيلة. فوصف له بعض الأدوية لاستعمالها مع التأكيد على ضرورة إجراء عملية جراحية في أقرب الآجال.
عادت دموع “سمير” تنزل بغزارة و هو يصرخ قائلا : ” اجيب ثمن الدوا و العملية منين و أكل ايه أنا و مراتي و بنتي، ما كانش قدامي غير إني اشحت ببنتي، بروح على شارع محمد الخامس و درب عمر و الحمد لله اخواتي لمغاربة مقصروش معايا اللي يديني درهم و ده عشرة و اجيب حق الدوا واديني عايش معهم الحمد لله.”
ظل “سمير” على هذا الحال إلى أن فقد القدرة على المشي و ساءت حالته الصحية و المعيشية، مما جعل زوجته خديجة المرأة “المعيلة”.
●خديجة الزوجة المناضلة و “المعيلة …
بعد ان تدهورت الحالة الصحية لسمير لم يعد أمام ، خديجة ، سوى مواجهة واقعهم المر و لبس ثوب “المعيلة” فأصبحت تتوجه كل فجر إلى ميناء الدار البيضاء لتجمع ما تبقى من السمك الذي يسقط من الصناديق و تبيعها ب عشرة أو عشرون درهم.
« ملي كان سمير كيتحرك على رجليه على الأقل كان شوية ديال الأمل باش تحسن ظروفنا و لو غير شوية، و لكن ملي تشلل ظلامت الدنيا فعينينا و شحال قد بنادم ما يحن عليك و يعطيك، يعيى اللي يعطي ما يعيى اللي يشد، كان خاصني نخرج ونقلب على طرف ديال الخبز باش نعيشو على الأقل.”
●طفلة مجردة من طفولتها…
ايمان تبلغ من العمر العشر سنوات، كل حلمها اكمال دراستها.
“انا بغيت نكمل قرايتي و نولي بوليسية و نعاون والدي و نخفف عليهم.” هكذا و بكل براءة عبرت،إيمان، تلك الطفلة التي جردتها قسوة الواقع الإجتماعي من طفولتها و بخرت أحلاما لطالما رسمتها بألوان الحياة ،احلام بريئة بدأت معالم الفشل في تحقيقها مع بداية تفاقم الأوضاع الاجتماعية و الصحية للأب.




