ثلاث ساعات ومحمد عبد النباوي، يحاضر مفحما…. ممتعا…. وسط صمت عام عكس اهتماما كبيرا بكل محطات الدرس الافتتاحي، دون أن يتسلل الملل إلى نفوس الحاضرين الذين اكتظ بهم المدرج بمناسبة الدرس الافتتاحي لفائدة طلبة الماستر، المنظم من قبل كلية الحقوق القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالمحمدية، صباح الجمعة الماضي، تحت عنوان “السلطة القضائية التحولات وآفاق المستقبل”
أفحم وأقنع الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض ورئيس النيابة العامة، الحاضرين، من طلاب وأساتذة ومهتمين، وهو يحاضر بأسلوب علمي أكاديمي شيق، ناهلا حينا من المتن التاريخي السياسي للمغرب، وماتحا حينا آخر كلما دعت الضرورة العلمية، من المرجعيات القانونية المغربية والكونية…. لقاء وصف بالمفيد جدا والشيق، تمكن خلاله المحاضر بداية من رفع اللبس الذي يكتنف الفهم العلاقة بين وزارة العدل والسلطة القضائية، حيث بدد هذا اللغز وهو يكشف أن السلطة القضائية أصبحت تتكون من فاعلين أساسيين، هما وزير العدل الذي أصبحت وظيفته التسيير الإداري، والمجلس الأعلى للسلطة القضائية برئاسة جلالة الملك الذي أصبحت له مهام واسعة وخاصة، من أهمها لتسيير القضائي لهذه السلطة، والجهازان حسب المحاضر يعملان في إطار من التكامل، ويشكلان لجنا مشتركة للبحث في القضايا الخلافية الوظيفية.
توظيف المحاضر لكرونولوجيا المسار العام للسلطة القضائية بالمغرب ساهم في فهم مفاصل التحول القضائي بالمغرب، إذ اعتمد على المتن التاريخي ليبرز السياقات التاريخية والمدنية والسياسية، التي بلورت ضرورة استقلال السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية ضمن منجزات المرحلة الديمقراطية المغربية، كاشفا عيوبا بنيوية ومنهجية في إناطة بعض الصلاحيات القضائية وصلاحيات النيابة العامة لوزير العدل قبل استقلالها التام، وهي سلطات واسعة و مفصلية لا يمكن أن تكون حسب المحاضر، بيد السلطة كالعزل والإحالة على التقاعد و التقصي في ثروات القضاة، كما أن سلطة وزير العدل الرئاسية على قضاة النيابة العامة وغيرها من الصلاحيات الأخرى كانت لها آثار سلبي على العمل القضائي.
وفي السياق ذاته، اعتبر عبد النباوي أن الفصل النهائي جاء نتيجة إرادة جلالة الملك من خلال خطاب9 مارس 2011، الذي عبر فيه جلالته عن ضرورة مراجعة أسس السلطة القضائية في إطار الفصل المرن بين السلطات، الذي يقوم على التعاون بين السلط وتوازنها، وتجاوبا أيضا مع مطالب الجمعيات الحقوقية والمؤسسات المهتمة، لاستقلالية السلطة القضائية. موضحا بدقة الخط الفاصل بين مرحلتين في تاريخ القضاء المغربي، قبل وبعد دستور 2011، مبينا أن الدستور الجديد أكد بدون تأويل على الاستقلالية التامة للسلطة القضائية عن السلطتين التنفيذية والتشريعية، تحت أبواب واضحة ومرجعية ولا يحتاج مضمونها إلى أي تأويل مسلطا الضوء على سمة استقلال السلطة القضائية بالمغرب، التي هي سلطة مستقلة استقلالا تاما عن باقي السلط و واضحة الأدوار والوظائف خلافا للسلطتين التشريعية والبرلمان، حيث تتقاطع أحيانا الاختصاصات و المتدخلين.
و أكد في الإطار نفسه بوضوح أن السلطة القضائية غير مستقلة عن جلالة الملك لأنه هو الضامن لاستقلال القضاء ورئيس المجلس الأعلى للسلطة القضائية، رافعا اللبس عن دور السلطة القضائية في مجال التشريع القضائي، حيث أن بعض الأدوار حسب المحاضر قد تبدو أنها من اختصاص السلطة القضائية لكنها في العمق من اختصاص السلطة التشريعية كالسياسة الجنائية، إد وضح أن البرلمان هو من يسطرها من خلال تشريعات، فيما الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض يسهر على تنفيذها، مستشهدا بقرار المجلس الدستوري عندما تطرق إلى الفصل 110 من القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية.




