حكومة بنكيران تفشل في تنزيل الدستور بعد سنتين على إقراره

 

كواليس اليوم: مكتب الرباط

قبل سنتين من اليوم، أنجز المغاربة ربيعهم الخاص في ملحمة إقرار دستور فاتح يوليوز سنة 2011.

بعد مرور أربعة وعشرون شهرا على هذا الحدث المفصلي في التاريخ المغربي المعاصر، لا يتردد كثير من المتتبعين على الصعيد الداخلي والخارجي في الإقرار بحكمة ملك البلاد الذي تجاوب سريعا مع مطالب المغاربة الذين خرجوا إلى الشوارع مطالبين بالإصلاح، وإسقاط الفساد، فكان التجاوب الشعبي متساوقا مع الرؤية الملكية التي أسست لتعاقد جديد بين المغاربة والملك، وباقي المؤسسات الدستورية.

ورغم مرور سنتين على إقرار دستور فاتح يوليوز لسنة 2011، فإن القراءة الوافية لهذا الدستور تشير إلى أنه كان متقدما بشكل كبير على مطالب الهيئات السياسية، وقريب جدا من نبض الشارع، ومنسجم مع تطلعات الإصلاح والبناء والتنمية لعاهل البلاد، وهو ما يؤكده خبراء وفقهاء القانون الدستوري.

فقد تضمن دستور 2011، توجهات جديدة، وفلسفة عصرية في مقاربة التنصيص الحقوقي لعدد من المطالب التي نادى بها الشارع، فكانت بنود هذا الدستور الذي أقر بتفويض شعبي كبير، وفية لنهج حقوق الإنسان وفق المعايير الدولية، لاسيما ما يتعلق بالتنصيص على مبادئ الحرية، بكافة أشكال ممارساتها، والاعتراف بكافة الحقوق سواء منها الثقافية بالنسبة للحساسيات الأمازيغية، أو حفظ حقوق الأقليات كما هو الشأن بالنسبة للطائفة اليهودية، حفاظا على كافة المكونات المغربية وإغناء لروافد التعدد والتنوع داخل المجتمع المغربي، وإرساء ركائز التعايش المشترك القائم على احترام حقوق الجميع.

كما شكل دستور سنة 2011، ثورة على سابقيه من حيث تأصيل مجموعة من الحقوق الأساسية للمواطنين، ومنها الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، والسياسية، كمؤشر على رعاية الوثيقة الدستورية لكافة الحقوق المكفولة للأفراد والجماعات، والتي لا يسع المجال لتفصيلها.

وعلى الصعيد السياسي يعتبر دستور فاتح يوليوز 2011، وثيقة غير مسبوقة من حيث التعديلات المهمة التي جاء، فيما يتعلق بتأطير الحياة السياسية، وتنظيم المجال السياسي أمام الفاعلين السياسيين وكافة المتدخلين، بما يكفل للهيئات السياسية بالمغربية، تطوير أدائها، وإسهامها الفعلي في النهوض بتدبير الشأن العام وفق قواعد جديدة، تضمنت لأول مرة اعتماد آليات واضحة لتولي مسؤولية تدبير الشأن العمومي سيما ما يتعلق بتعيين رئيس الحكومة من الحزب الفائز، وباقي الوزراء، وإعطاء نفس جديد للحياة الحزبية بإذكاء التنافس السياسي على أساس البرامج، بما يتيح لكل حزب التطلع لقيادة دفة الحكومة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، والتنصيص على إحداث العديد من الهيئات الرقابية والمؤسسات الموازية لإنجاح التحول الذي أسسه له هذا الدستور.

لقد طالب المغاربة خلال المسيرات التي خرجت إلى الشارع عقب الثورات العربية التي عصفت ببعض الأنظمة الحاكمة بتعديل دستوري، إيمانا منها بحتمية تعاقد دستوري جديد للتأسيس لمرحلة جديدة في مسار تطور الدولة. لذلك لم يكن هذا المطلب الشعبي بالعبثي أو بالترف، بقدر ما كان لبنة أساسية في أي عملية إصلاح مرجوة لتخليص البلاد من الاختناق الذي تسببت فيه بعض السياسات العامة، ومن مشهد سياسي موبوء كنتيجة حتمية لطريقة تدبير الأحزاب من قبل قادة خالدين ،تجاوزتهم الأحداث، ويعيشون خارج سياق الزمن السياسي الحديث لجيل نشأ في ظروف مختلفة.

إذن فدستور فاتح 2011، نتاج لتوافق بين إرادة الملك والشعب للإصلاح وإنجاز ثورة مغربية بخصوصية وطنية، كما قاد جد الملك الحالي ثورة شعبية عندما أعلن التمرد على المستعمر الفرنسي، وهي الثورة التي قادت إلى استقلال المغرب وتحريره. لذلك فإن دستور 2011، يمكن اعتباره تأسيسا لعهد جديد فعلي أبصر النور مع دستور فاتح يوليوز، وقابل للاستمرار في ظل حرص ملك البلاد على إنجاح مسلسل الإصلاح.

كان بالإمكان، أن يقطف المغاربة ثمار دستور فاتح يوليوز 2011، نظرا لما تضمنته من تعديلات جوهرية لا يمكنها إلا أن تكون جوابا على انتظارات المغاربة، لولا فشل الحكومة في بلورة الدستور بطريقة سريعة ومنتجة لإخراج المؤسسات التي نص عليها، وإقرار القوانين المكملة والمفصلة لبنوده، وتأوليه بشكل إيجابي، والعمل على تنزيله بفعالية وسرعة حتى لا يلام الدستور، على تكلس طبقة سياسة في ضفتي الحكومة والمعارضة وسلبيتها في الانطلاق نحو آفاق رحبة أسس لها دستور فاتح يوليوز ومازال المغاربة ينتظرون تحقيقها.


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني