سلطة الملاءمة في تعليل قرار النيابة العامة 1/1

                                                                            محمد ناجي  ـ اكادير

         القسم الأول ( 1)       

صلاحيات النيابة العامة ووكيل الملك

(تمييز المصطلحين)

         لا يماري أحد في صلاحيات النيابة العامة وأهميتها القصوى في استتباب الأمن، وضمان الاستقرار وصيانة الحقوق.. وفي الغالب؛ فإن النيابة العامة تمارس صلاحياتها بتلقائية، وقد تتخذ في بعضها قرارات مباشرة، تعتبر بمثابة حكم؛ كالأمر بالاعتقال الاحتياطي في حالة الإحالة المباشرة، أو اتخاذ قرار بحفظ الشكاية ، وذلك عملا بمبدإ “ملاءمة التتبع”، الخاضعة لاجتهادها الشخصي. إلا أنه بالنسبة للاعتقال الاحتياطي فقد أصبح وكيل الملك ملزما بتعليل قراره بكيفية  دقيقة؛ يُـبـيِّـن السببَ  القاطع، المبررَ للاعتقال الاحتياطي، بحيث لم يعد مقبولا تعليل الاعتقال الاحتياطي بعبارات مقتضبة عامة أو مبهمة أحيانا مثل : “حيث إن اعتقال  المتهم  ضروري للكشف عن الحقيقة” أو “حيث  النظام العام يستوجب إبقاء المتهم رهن الاعتقال” أو  “لضمان مثوله أمام المحكمة” …الخ . أما في قراره بحفظ الشكاية فلا يكون وكيل الملك ملزما بذلك التعليل الدقيق والمفصل لمبررات الحفظ؛ بل قد يكتفي بعبارة واحدة من كلمتين أو ثلاث كلمات كــقوله : “لتعذر الاستماع” أو “لانعدام الإثبات” ، أو “الخلل العقلي”؛ أو “لانعدام عناصر المتابعة”، أو أن الشكاية “تكتسي صبغة مدنية” … الخ. دون أن يكون ملزما بتفسير ذلك التعليل، وإبراز أسسه أو حيثياته التي استُـنـتِـج منها..  وهذه واحدة من ثغرات السلطة المخولة لها؛ بحيث تستطيع النيابة العامة صرفها لأي شكاية مهما كانت متوفرة على عناصر المتابعة أو الإثبات ؛ كما سيتضح من المثال الذي سنورده في نهاية المقال .

         وبما أن النيابة العامة في مثل هذه القرارات تكون قد ضمت إلى سلطتها التنفيذية سلطة قاضي الحكم أيضا؛ حتى لقد اعتبرها المحامي الفرنسي المشهورجورج كيجمان ( KIEJMAN  GEORGE ) أهم قاض في كل الجهاز القضائي بقوله : «إن النيابة العامة نظرا لما لها من صلاحيات في حفظ الشكايات تعدّ أهم قاض في فرنسا » ؛ لأنها في مثل هذه الحالة تكون بمثابة قاضي الحكم المدني عندما يصدر حكمه برفض الدعوى أو بعدم قبولها، مع فارق بين القاضيين في مكونات التعليل، حيث يتوسع قاضي الحكم في حيثياته بالتفصيل اللازم، ليتوافر فيه شرطا التعليل الصحيح، وهما مطابقته للقانون والواقع.  بينما يكون قاضي النيابة العامة معفى من تفسير تعليل قراره بحفظ الشكاية أو الوشاية، أو البلاغ كما يسميه المصريون.

وبما أننا في المغرب نسترشد بالاجتهاد القضائي الفرنسي بالدرجة الأولى، ثم المصري بعده؛ فإننا نستطيع نقل مقولة المحامي الفرنسي من إطلاقها على النيابة العامة في فرنسا، إلى إطلاقها على النيابة العامة في المغرب؛ وهو شيء ملموس يستشعره كل مواطن مغربي؛ حيث إن قاضي النيابة العامة في المغرب يعتبر في كثير من الحالات، ولدى جمهور عريض من الشعب؛ أهم سلطة قضائية، ذات صلاحيات لا ترقى إليها صلاحيات أي سلطة قضائية أخرى. من ذلك على سبيل المثال أنها تتمتع دون قاضي الحكم بسلطة الاتهام، وإثارة الدعوى العمومية وممارستها، وتولي تنفيذ الأحكام ..إلى غير ذلك مما لا يدخل في اختصاصات قاضي الحكم أو مهامه.

والواقع أن النيابة العامة تستمد هذه الأهمية من اصطلاحية تسميتها التي تحيل على مرجعيتين، يطلقان عليها معا في نفس الوقت ، فهي تسمى “النيابة العامة” ، وتسمى أيضا “وكيل الملك” .

وقد يستغرب البعض للتفريق بين الصفتين، مع أنهما يطلقان على مؤسسة واحدة .. إلا أن ذلك الاستغراب لا يلبث أن يزول إذا استحضرنا أنهما صفتان متكاملتان في مؤسسة واحدة يمثلها شخص واحد .

فمصطلح “النيابة العامة” يطلق عليها باعتبارها تنوب عن المجتمع في مواجهة الجريمة والخروقات القانونية، ، ومكافحة المجرمين, ومباشرة الدعوى العمومية، وتنفيذ أحكام القضاء.. ومن ثم فمسؤوليتها الأساسية تجاه المجتمع هي حمايته من كل ما يتربص به من أنواع الجريمة، ومن كل ما يتهدده من مخاطر تخريبية أو إرهابية . فهي من هذه الناحية تستمد سلطتها من سلطة المجتمع الذي كلفها بالنيابة عنه في كل ما ينوبه مما له علاقة بالقانون الجنائي. وحتى بالنسبة للدعاوى المدنية، فإن من حق النيابة العامة أن تكون طرفا منضما إذا رأت ضرورة في ذلك، دون أن يتعرض على انضمامها أي طرف من أطراف الدعوى (الفصول : 6 ، 7 ، 8  ق. م. م.).

أما مصطلح “وكيل الملك” فيطلق عليه بالنظر إلى مسؤوليته في السهر على احترام القانون، والسهر على تطبيقه على الوجه الصحيح، حتى فيما يصدره هو نفسه من أوامر أو قرارات ؛ وكل ذلك عملا منه على ترسيخ دولة المؤسسات ودولة الحق والقانون، فهو من هذه الناحية يستمد سلطته من سلطة الملك الذي هو أعلى سلطة قضائية في الدولة، تصدر الأحكام باسمه وباسم القانون، فيكون وكيل الملك هو الممثل لهاتين المرجعيتين اللتين تتصدران كل حكم قضائي، في جميع درجات التقاضي.

ومع ذلك فالمسألة ليست بهذه البساطة، وإن حاولت تبسيطها قدر الإمكان، بما لا يغادر جوهرها أو يخل بمقوماتها ومكوناتها .. حيث إن شخص الملك هو أيضا ساهر على حماية المجتمع والوطن ككل .. بل إن حدبه على هذه الحماية هو أوسع وأشمل من حدب النيابة العامة التي تختص بالعمل داخل المجال الترابي الذي يدخل في نفوذها؛ بينما نفوذ الملك يشمل الوطن كله، بل أكثر من ذلك، فهو يتجاوز في حماية الوطن حدودَه الترابية بالتصدي لكل ما قد يتهدده من الخارج، كالتصدي لغاز أو مستعمر أو جماعة إرهابية ، قبل دخولها أرض الوطن، أو تعقبها خارج الوطن إذا تمكنت من الفرار بعد تنفيذ جريمتها . .

وبالتمعن في المهام والمسؤوليات المنوطة بهذه المؤسسة القضائية، نستطلع ما يكمن في ضميرها من سر في الفرق بين المصطلحين اللذين يطلقان عليها : وكيل الملك، والنيابة العامة:

فالبحث عن المجرم، والقبض عليه، وجمع الأدلة، والتحقيق معه..  وما إلى ذلك من الإجراءات الأولية قبل التقديم للمحاكمة، إلى غاية تكوين ملف الاتهام والإحالة على الغرفة الجنحية.. كل هذا يدخل في نطاق مصطلح “النيابة العامة”، لأن الغاية من تلك الإجراءات هي حماية المجتمع من الجريمة التي كانت تتربص به، أو معاقبة من ألحق به ضررا، ماديا أو معنويا أو أخلاقيا. فمهمتها من هذا الباب تعتبر إجراءات حمائية من الجريمة : سواء كانت إجراءات استباقية ، بحيث تتصدى للجريمة قبل وقوعها. أو إجراءات لمحاصـرتها أثناء أو بعيد وقوعها، حتى لا تتسع دائرتها، ويتعدد ضحاياها أو يزداد حجم خسائرها. أو تَـعَـقـبـية إذا تمكن مقترفها من الإفلات أو الفرار، فهي تتعـقـبه بالبحث عنه لتقديمه للعدالة.. فهذه كلها مهام أجرائية ومسطرية تختص بها النيابة العامة. وعلى أساسها يطلق عليها هذا المصطلح.

أما عند مباشرة التحقيق مع المجرم، مثلا، وملاءمة التهمة، وممارسة الدعوى أمام المحكمة؛ فهنا تصبح النيابة العامة وكيلا للملك، باعتباره يسهر على تطبيق القانون تطبيقا صحيحا، فلا يسمح مثلا باستنطاق متهم تحت التعذيب ، أو تجاوز المدة القانونية لوضعه تحت الحراسة النظرية ، أو عدم إطلاعه على المنسوب إليه.. أو التعسف في تكييف الجريمة كتحويل القتل الخطإ أو القتل في حالة الدفاع عن النفس إلى القتل العمد.. فهذه كلها يمثل فيها وكيل الملك روح القانون، ويسهر على حسن الملاءمة في تطبيقه.

وهكذا فهذه المؤسسة بصفتها ساهرة على إعمال القانون وتطبيقه على الوجه الصحيح وعدم السماح بتجاوزه أو التعسف في استعماله، فهي وكيل الملك، باعتباره الممثل الأسمى والساهر الأول على حسن تطبيق القانون..

وبهذا يتبين الفرق بين المصطلحين، ويتضح في نفس الوقت كيف أنهما يجتمعان بشكل تكاملي وتفاعلي في مؤسسة واحدة .

يتبع

[email protected]


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني