إستراتيجية 2015 وسؤال آفاق الصناعة التقليدية بإقليم سيدي سليمان؟

الحسين بوخرطة
في إطار مهام متابعة السياسات العمومية ووقعها على تنمية تراب إقليم سيدي سليمان، ونظرا للأهمية القصوي لقطاع الصناعة التقليدية في تنمية الاقتصاد الاجتماعي التضامني، الاقتصاد الذي يتوفر على إمكانيات كبيرة ذات طبيعة تمكن فئات عريضة من المجتمع من الاندماج في النسيج الإنتاجي للبلاد، قام مبعوث الجريدة بزيارة ميدانية لمدينة سيدي سليمان لتتبع التطورات التي يعرفها هذا القطاع الحيوي بهذا الإقليم الفتي. فمن خلال الحوارات التي أجراها في سياق هذا البحث تبين له منذ البداية أن قرار بناء مركب للصناعة التقليدية بعاصمة الإقليم لا يمكن تصنيفه إلا ضمن الخطوات الجادة التي تعبر عن وجود اهتمام للسلطات الإقليمية بهذا القطاع، وعن وجود إرادة لديها للدفاع على مكانة عاصمة بني احسن في النسيج الحضري الجهوي والوطني، إرادة يجب أن تتوج بتحويل هذا المركب إلى قطب إقليمي للصناعة التقليدية. لقد تبين له كذلك، من خلال الجولة التي قام بها، أن هناك تعبيرات واضحة عند الصناع والحرفيين تجسد الحاجة إلى تطوير المهن الجديدة بالإقليم والانخراط في مسار التحديث المهني تقنيا وثقافيا. فمن خلال الحوارات التي أجريت في هذا الشأن مع عدد من الفعاليات المتتبعة للشأن المحلي والإقليمي، استنتجت الجريدة أن هناك نوع من التغيير النسبي في منطق الفعل العمومي بمدينة سيدي سليمان. فإلى جانب ما تمت ملاحظته من اهتمام بضرورة الاستفادة أكثر من الفرص المتاحة التي تميز زمن الانفتاح الاقتصادي المعولم في مجالات الفلاحة، والتجارة، والصناعة العصرية، والتقنيات الحديثة، والخدمات المختلفة، والأنشطة والمهن التجارية المتنوعة، والأنشطة المرتبطة بالسوق المالي والمصرفي،….، لمست الجريدة أن هناك نوع من الحرص لدى المستجوبين على ضرورة تمكين الإقليم من بلورة رؤية واضحة في مجال الصناعة التقليدية، رؤية متكاملة، وقابلة للتنفيذ، تكون بمثابة أساس لبلورة مخطط إقليمي مندمج لتشخيص الإمكانيات المهنية التي تزخر بها المنطقة وبلورة السيناريوهات الممكنة للنهوض بها. فالنجاح في هذا الشأن سيشكل، حسب رأيهم، ركيزة أساسية من ضمن ركائز أخرى، لدعم مسار تحويل مدينة سيدي سليمان إلى عاصمة إقليمية حقيقية.
فبعدما تساءلت الجريدة في السنوات الأولى من انطلاق إستراتيجية 2015 عن مدى استفادة مدينة سيدي سليمان من البرامج الوزارية، وبعدما تطرقت بعد ذلك، من خلال مقال خاص، إلى موضوع الإمكانيات المهنية في القطاع (الإمكانيات المهنية الترابية بدوار أولا غانم بجماعة الصفافعة كنموذج)، تعود اليوم في السنة الأخيرة من عمر هذه الإستراتيجية لتتساءل عن الحصيلة أو المنجزات، وبالتالي عن دور وآفاق هذا القطاع في الاقتصاد الحضري بالنسبة للعاصمة الإقليمية بشكل خاص، وفي الاقتصاد الإقليمي بالنسبة للمنطقة برمتها بشكل عام. على مستوى الرأي العام، إذا استثنينا مختلف التعبيرات التي جسدت الحاجة إلى إعطاء الأهمية المطلوبة للحرفيين والصناع والمطالبة بدعم القطاع، لم تلمس الجريدة على المستوى المحلي ما يفيد وجود نقاش أو حديث في شأن ما تقوم به الدولة لفائدة الصناعة التقليدية إقليميا، ولا في شأن ما تم انجازه في إطار الإستراتيجية السالفة الذكر. السؤال البارز المثار بين الناس، وما بين رجال ونساء القطاع، يتمحور حول مشروع بناء المركب السالف الذكر، مشروع تجسده اللوحة الإشهارية الكبيرة المنتصبة في مخرج المدينة في اتجاه القنيطرة (بجوار السوق الأسبوعي).
وعليه، والمغرب يعيش الشهور الأخيرة من عمر إستراتيجية 2015، يبقى من واجب الوزارة الوصية أن تقدم حصيلة عملها وكذا الإعلان عن برامجها المستقبلية في هذا القطاع على مستوى الإقليم. نقول هذا لأن كل الاتصالات التي قامت بها الجريدة تثبت أن طموح الساكنة المعبر عنه في هذا المجال كبير جدا، طموح يجسده مطلبهم الواحد والوحيد الذي يتجلى في تمكين تراب الإقليم من الدعم العمومي الكافي لتحويل المركب المذكور أعلاه إلى قطب للصناعة التقليدية، قطب يمكن من إبراز الطابع الحضاري والتاريخي العريق لقبائل بني احسن. لقد أكد لنا أحد المهتمين بالتراث والثقافة الشعبية بالإقليم أن منطقة سيدي سليمان كانت تزخر بالمهن والحرف اليدوية المتنوعة، وكانت تساهم بقسط كبير في تحسين مستوى عيش الساكنة، وفي إنعاش الاقتصاد الحضري والقروي على السواء. وأضاف في نفس السياق، أن الجماعات التابعة للإقليم كانت دائما متميزة على مستوى الإبداع الفني والحرفي، حيث تحول مع مرور الوقت هذا الإبداع، المجسد للمبادرات الذاتية، إلى قاطرة لحركية الإنتاج والمبادلات داخل المنطقة وخارجها. وفي هذه النقطة بالذات استخلصت الجريدة من حديث المستجوبين أن هناك تساؤلات تطرح بشكل مباشر وأخرى بشكل غير مباشر في موضوع حصيلة القطاع الوصي في مجال تشخيص وإحياء وتطوير الموروث الثقافي والإنتاج اليدوي لمختلف المجالات الترابية. كما استخلصت كذلك من كلامهم أن سؤال مدى استفادة إقليم سيدي سليمان من برامج الإستراتيجية 2015 يبقى إلى حد ما سؤالا مشروعا، سؤال عام تتفرع عنه عدة أسئلة من قبيل:
• ما هو عدد المستفيدين من مختلف برامج الإستراتيجية بالإقليم؟
• ما هو عدد المستفيدين من برنامج التكوين بالتدرج؟
• ما هي المعايير التي تم اعتمادها في اختيار المؤسسات التي أسند لها مهام التكوين؟
• هل قامت الوزارة الوصية بتقييم سنوي لتدخلاتها بالإقليم؟
• ما هو عدد المستفيدين الذي تمكنوا من الاندماج في سوق الشغل أو النجاح في تحقيق مشروع خاص للتشغيل الذاتي؟
• …إلخ
وكيف ما كانت الأجوبة والنتائج المرتبطة بها، وحتى إن كانت الحصيلة لا ترقى إلى مستوى ما تنتظره الساكنة، ما أثار الجريدة في حديث المستجوبين هو تشبثهم بضرورة إنجاح مشروع تحويل المركب السالف الذكر إلى قطب إقليمي للصناعة التقليدية، مشروع مندمج وبقيمة مضافة مرتفعة. فارتقاء “المركب” إلى مرتبة “القطب”، بالنسبة لهم، لا يمكن أن يقتصر على عملية البناء والتشييد فقط (البناية)، بل المطلوب بالنسبة لهم هو الحرص على توفير الفضاءات الضرورية الموازية بداخله: فضاءات الاستقبال والتنشيط، مقاهي، مطاعم، مساحات خضراء، موقف للسيارات، فضاءات للأطفال، مركز للتكوين بالتدرج،…إلخ). إنها الحاجة إلى تحقيق التكامل المطلوب ما بين الشروط الضرورية المجسدة للمرجعية الثقافية والهوياتية للمنطقة من جهة والدينامية التجارية والتنشيط الاجتماعي من جهة أخرى، تكامل يجب أن يكون الأساس الذي سيحول هذه المعلمة، التي ينتظرها الجميع، إلى وجهة سياحية هامة في شبكة المحطات السياحية الوطنية (محطة يتوافد عليها السياح الأجانب).
وللوصول إلى ما يصبو إليه الرأي العام في هذا القطاع، استخلصت الجريدة من حديث المستجوبين بعض الاقتراحات نذكر منها:
• إبراز الطابع الحضاري العريق لقبائل بني احسن، كمنبع للإبداع الفني والحرفي والمبادرة الذاتية وكأساس لحركية الإنتاج والمبادلات، يبقى إلى حد بعيد مرتبط بتوفير البنية التحتية وضمان الجودة في انجازها،
• الاستثمار في القطاع إقليميا يجب أن يكون منطلقه اعتبار قطاع الصناعة التقليدية ثروة لا تنقضي ولا تستنزف، وأن العمل على تقوية ترسيخها ترابيا هو تعبير حقيقي عن الإرادة السياسية لإغناء الرأسمال اللامادي بالإقليم، وعاملا أساسيا لاستقرار السكان وتنمية مجالاتهم الترابية،
• اعتبار مسألة تجميع الصناع والحرفيين، من خلال خلق أجنحة مهنية متجانسة داخل القطب السالف الذكر، شرطا أساسيا لخلق واجهة دائمة لعرض الإبداع الحرفي ولإحياء المهن المهددة بالانقراض بالمنطقة، وحافزا أساسيا لتحسين الجودة في الإنتاج،
• تحديث آليات العمل الجماعي من خلال تبسيط المساطر الخاصة بتأسيس التعاونيات المهنية وعصرنة أجهزتها التدبيرية،
• تطوير القطاع بالإقليم يبقى إلى حد بعيد مرتبط بالمجهودات المبذولة من طرف السلطة الوصية في مجال البحث عن الأسواق على المستويين الوطني والدولي (الدول الإفريقية، دول أمريكا الجنوبية، أمريكا الشمالية، الدول العربية،….)،
• الحاجة إلى خلق منظومة متكاملة للتواصل الإشهاري والتحفيزي في القطاع،
• حماية القدرات الإبداعية من التقليد والغش من خلال حماية العلامات التجارية ورموز التصنيف،
• مشروع النهوض بالصناعة التقليدية إقليميا يتطلب تنسيق الجهود ما بين كل القطاعات الحكومية ذات الصلة، تنسيق يكون محوره الأساسي المجلس البلدي مدعوما بالسلطة الإقليمية. أولا، التنسيق مع الوزارة المكلفة بالمقاولات الصغرى والمتوسطة من أجل الاستفادة من القوانين المرتبطة بالتشغيل الذاتي ومحاربة الأنشطة غير القانونية (التسجيل في السجل الوطني للتشغيل الذاتي والاستفادة من مزاياه خاصة الولوج إلى مصادر التمويل). ثانيا، التنسيق مع قطاع التجارة الخارجية من أجل البحث وتوسيع وتنويع الأسواق الداخلية والخارجية. ثالثا، التنسيق مع وزارة السياحة من أجل تحويل القطب الإقليمي إلى واجهة سياحية ذات خصوصيات جذابة. رابعا، التنسيق مع منظمات الاحتياط الاجتماعي لحماية المهنيين والمتدربين والعمال في القطاع (الانخراط في سجل الحماية الاجتماعية). خامسا، التنسيق مع مؤسسة الجهة من أجل تمكين المشروع من لعب الأدوار المهيكلة للتراب المحلي والإقليمي والجهوي. سادسا، الاستفادة من الإمكانيات المعرفية والتمويلية للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية والخبرة والتجربة التي راكمها قطاع التعاون الوطني،….إلخ.


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني